كرة القدم و الوعي السياسي..
بدر السلام الطرابلسي
شهدت مباراة كرة القدم بين الترجي الرياضي التونسي والنجم الساحلي الأربعاء الفارط أعمال شغب وعنف بدأت أثناء لعب المباراة ولم تنتهي بإعلان صفارة الحكم عن نهايتها لتتواصل المشاحنات خرج الملعب مما استنفر قوات الأمن التي وضعت حدا لهذه الفوضى العارمة جراء مباراة كرة القدم وأوقفت العشرات من الشبان المشاركين في أعمال العنف..
تلقي هذه الحادثة، التي تكررت مثيلاتها في ملاعبنا التونسية مؤخرا، بضلالها على الانحدار الأخلاقي والضحالة القيمية التي أصبحت السمة المميزة للكثير من الجماهير الشبابية المتحمسة للعبة كرة القدم حيث انحرفت هذه الرياضة الجماعية عن غايتها النبيلة المتمثلة في تقريب الأفراد والجماعات والشعوب مهما كانت بلدانهم أو ثقافاتهم أو اختلافاتهم الحضارية وتعارفهم في كنف الاحترام المتبادل والمودة والتقائهم حول حدث رياضي واحد ذو أبعاد فنية وجمالية من أجل الترويح عن النفس بعد أسبوع شاق من العمل والحراك والمسؤوليات الاجتماعية..
مشاهد العنف اللفظي والمادي لم تعد تقتصر على ملاعب كرة القدم فقط بل إنها تحولت لسلوك محايث لشبابنا وشاباتنا في المدرسة والشارع والحافلة وحتى في بعض الفضاءات العمومية كما أثبتته الدراسة التي أجراها المرصد الوطني للشباب حول العنف اللفظي والتي تجاوزت نسبها كل المقاييس مما يطرح استفهامات عدة حول دورة المؤسسات الاجتماعية والسياسية في تأطير الشباب والارتقاء بوعيه من أجل الصالح العام..؟
إذ لم يعد خافيا على احد اليوم ضحالة مشاركة الشباب التونسي في الشأن العام بما يعنيه من مؤسسات حزبية ونقابية وحقوقية وجمعياتية وأنشطة ذات علاقة تسبقها أو تتمخض عنها، في ظل الهيمنة شبه الكلية للنظام المالي العالمي الجديد واكتساح قيمه الاستهلاكية ،التي عوضت القيم الأخلاقية، لمختلف أطوار حياتنا اليومية وسلوكاتنا الفردية والجماعية..
وقد آن الأوان لأن يضع جميع الأطراف الفاعلين في المشهد السياسي التونسي حاليا (سلطة ومعارضة) نصب أعينهم النتائج السلبية التي يمكن أن يتمخض عنها سلوك مماثل في التعاطي مع الشباب وفي صياغة خطط مرحلية ومستقبلية للنهوض بوضعه الاجتماعي والسياسي والأخلاقي..
و لا مندوحة من التذكير بأن أي حوار وطني مستقبلي حول الشباب تبقى بعض كراسيه فارغة لا يمكن له أن يلج شأوى المعادلة وغور الحل الشامل، فالانفتاح على آراء مختلف المكونات السياسية و الحقوقية والشبابية الناشطة على الساحة الوطنية من شأنه أن يرتقي بالأداء الداخلي للبلاد ككل ويخلق دينامكية سياسية فاعلة تأتي على مجمل ثغرات الماضي وتؤسس لحاضر ومستقبل يولي الأهمية اللازمة لمختلف القضايا الداخلية وعلى رأسها الشباب التونسي الذي شهد نوعا من التقهقر على مستوى الوعي والتكوين والمبادئ في العقود الأخيرة..
موقع السياسية-تونس بتاريخ 19 أفريل 2009
