jeudi 4 août 2016

«لا تقتل».. لا تكن حبيس «مزرعة الحيوان»: بشاعة القتل العبثي لا تبرر اعدام الدولة لمواطنيها

  بدر السلام الطرابلسي٭
صحيفة القدس العربي 
يعـد فيلم «لا تقتـل» point tueras ne tu لصاحبه اخملرج البولندي كريسـتوف كيسلوفسكي Kieslowski Krzysztof الـذي أعـده ضمن سلسـلة الوصايا العشـر للتلفزيون البولوني بين سـنتي 1987 و1989 إرثا سينماتوغرافيا عالميا لا يمكن المرور عليه بسـلام آمنـين فزخم الرؤى النقدية التي تتخللـه جملتمعه وقوانينه وخاصة تلك المتعلقة بعقوبـة الإعدام أو تهويماته العبثيـة المتعلقة بالقدر والصدف «العمياء» والتقاطعـات التقنية/التناصية ذات الصبغـة الميتافيزيقيـة الأرثوذكسـية الموزعـة علـى تفاصيـل عديـدة داخـل الفلـم كمـا عودنـا بها كيسلوفسـكي في أفلام الوصايا – Décalogue وبانسـجام شـبه مثالـي مـع شـريكه فـي حياكـة سـيناريوهات أفلامـه الكاتـب السـينماتغرافي البولندي بيزيفتش . تحكي فكرة الفيلم عن شاب في العشرين من عمره يتسـكع في شوارع فرسـوفيا Varsovie لوحده ثم تجـده يبحـث عن سـيارة تاكسـي لتقلـه لإحدى الضواحي وإذ به يقدم، بعد ركوبه سـيارة التاكسي بفتـرة مـن الزمن، علـى عملية قتل سـائق التاكسـي بدم بارد خنقـا ثم ينهي جريمته بإرداء ضحيته ميتا بصخرة وجدها على الطريق. وبعـد أن تم إيقافـه ومحاكمتـه تصـدر المحكمـة قرارها بإعدامه شـنقا، ورغم محـاولات المحامي بيتر Peter لتخفيف الحكم إلا أن قرار المحكمة يصبح نافـذا وتطبـق عقوبة الإعدام في حق المتهم ياتسـيك Jacek بــ«نظافة». أحجيـة فيلـم «لا تقتـل» يمكـن رصدها مـن خلال زاويتين تتوزعان على القسمين الأول والثاني للفيلم قيد القراءة. ففي الجزء الأول للفيلم تعترضنا جريمة قتل «غريبـة» في تصورها عبثية فـي دوافعها قدرية فـي حصولهـا وفي التقـاء شـخصياتها عليهـا حيث الصدفة القدرية هي محرار اخملرج كيسلوفسكي عند حياكته لأطوارها. فسائق التاكسي والشاب ياتسيك لا يعـرف أحدهمـا الآخـر مسـبقا ولا توجـد بينهمـا عـداوة أو أي دافع لارتكاب جريمة قتل وإنما الصدفة جمعتهمـا ليكـون سـائق التاكسـي النكرة بالنسـبة لياتسـيك هـو الضحية، وربمـا قدره أيضـا هو الذي دفعـه لأن يكون هو ضحية عملية القتل وليس غيره، هذا القـدر الذي كان بإمكانه تغييره منذ البداية. فلو أقـل مثلا الزوجـين اللذيـن انتظراه إلى حين غسـيل سيارته ولم يتركهما أو كذلك لو أنه قام بنقل الرجلين اللذين قصـداه على الطريق ولم يرفـض خدمتهما لما جاء بين يدي ياتسيك هذا القاتل/المريض. كمـا أن الصدفـة «العميـاء» Chance Blind (عنـوان أحـد أفلام اخملـرج كيسلوفسـكي) هي التي قـادت أيضا المحامي الشـاب بيتر المتخـرج حديثا من كليـة المحاماة لملاقـاة خطيبته في نفـس المقهى الذي جمعـه مـع موكلـه ياتسـيك دون أن يعـرف أحدهمـا الآخر وفـي اليوم ذاتـه الذي وقعت فيـه جريمة قتل سائق التاكسي الممثل يان تسرز Tsars Jan. وإذ تعبـر مصائر هؤلاء الأبطـال الثلاثة عن رابط قـوي يجمـع بينهـا ليدفعهـا معـا إلـى ذروة الحبكة الدراميـة أين تتعقد الأحداث وتنضج لتشـارف على نهاياتهـا الحتميـة كما صيغت فـي سـيناريو الفيلم. غيـر أن الحرفيـة العاليـة التـي كتب بها نـص الفيلم ليست نقطة القوة الوحيدة فيه إذ نجد كذلك الطقس الدرامـي الـذي وضعه اخملـرج في بعـض التفاصيل التقنيـة للفيلم والذي جاء على شـكل حركات عبثية وعنيفـة من ذلك مثلا الحجرة التي رمى بها ياتسـيك من فوق الجسر وسقطت على الإسفلت مسببة حادثا على الطريق السـريع أو القهوة التي قذفها على بلور المشـرب الذي جلس فيـه قبل الإقدام على جريمة القتـل أو كذلـك التحـرش الجسـدي بأحدهـم عندمـا دخـل للمبولـة العموميـة.. هـذا دون أن ننسـى القط المشـنوق الذي صادفه سائق التاكسـي قبـل ذهابـه للعمـل أو أيضـا الصراصير الميتـة في إحدى الغدران الراكدة الموجودة بالحي الذي يقطنه سائق التاكسي.. لقـد وظـف مخـرج وكاتـب فيلـم «لا تقتـل» هـذه الجزئيات السـينماتغرافية المشـحونة بالعبثيـة والعنـف (البـارد) اللامسـبوق كتمهيـدات لمـا سـيحدث فيمـا بعـد مـن قتـل مزدوج الأول يخـص الجريمة التي ارتكبها الشـاب ياتسـيك والتـي أردى فيهـا سـائق التاكسي ميتا والثانية عملية القتل بدم بارد التي ارتكبتها الدولـة البولنديـة عندمـا قامت بإعدام ياتسيك عقابا له على جريمته..! هـذا وتعتبـر عمليـة القتـل التـي أقـدم عليهـا ياتسـيك للوهلـة الأولـى حركة مجانيـة أقدم عليها ضـد مجهـول (سـائق التاكسـي) لا تربطـه بـه علاقـة مـن أي نـوع غير أن اعترافاتـه الأخيـرة لمحاميـه قبـل دقائـق مـن إعدامـه كشـفت لنا الكثير من الغموض في شخصيته والكثير من الحب والعذاب اللذين يملآنه بعد وفاة أخته الصغيـرة فـي حادث جرار قام بدهسـها وهي في الثانية عشـرة من العمر فـي الأحـواز الريفيـة التـي يقطنانهـا، وقـد أثـر فيه موت أختـه التي كان يحبهـا كثيرا ويفـرح بنجاحها وتعليمها أثر فيه كثيرا وجعله يمرض بفوبيا سائقي العربات مهما كانت أنواعها وأحجامها وهو ما رأيناه في الجزء الأول من الفيلم عندما قذف بحجارته على العربات المارة على الطريق السـيارة وبالطبع عندما أقـدم علـى عمليـة قتل سـائق التاكسـي.. لقـد دفعه مـوت أخته التراجيدي للإقدام على سـلوكات عبثية مشـابهة لتلك التي أقدم عليها بطل رواية البير كامي «الغريـب» lʼétranger : القيـام بأفعال لا دوافع منطقية لها إلا أسـباب صاحبها التي تعبر حقيقة عن قلق ذهني من وجوده داخل عالم لا يفهمه ولا يعترف به وبقوانينـه ويفضل مفارقته باكـرا وعلى طريقته الغريبة. عمليـة القتـل الثانية قامـت بها الدولـة البولندية ضـد ياتسـيك بدم بارد ونظـام و»نظافـة»، فإن تمت عملية القتل الأولى لسـائق التاكسي في سياق تحفه الفوضى والعبثية فإن عمليـة القتل الثانية التي قام بها جهاز الأمن البولندي ضد الشـاب اليافع ياتسيك (شـنقا) تمت تطبيقا للقانون وبترتيبات خاصة لمثل حكم الإعدام. مـن الواضـح أن مخـرج الفيلـم كريسـتوف كيسلوفسـكي من خلال عملية القتل الأولى والثانية أراد إيصال عدة رسـائل أهمها بشاعة القتل مهما كان مأتـاه سـواء جهـة رسـمية أو شـعبية وأنـه مـن غيـر المعقـول معاقبـة جريمـة القتل بعملية قتل أخرى حتى الجوهر الديني يأبـى ذلـك بالنسـبة إليـه وهو معنـى عنـوان فيلمه «لا تقتـل» كإحـدى الوصايا الإيمانية العشـرة، ومن غيـر المقبول بالنسـبة إليـه أن تقوم الدولـة بجريمة كهذه وهـي التي من المفروض أن تنظـم حياة الأفراد وتحافظ على أمنهم وحقوقهم وحياتهم، لا أن تهدرها وتنفـذ فيهم حكم الإعدام الشـبيه ببرود الموت الذين هم بصدده.. كما أن عملية القتل الأولى لسـائق التاكسـي التي تواصلـت علـى امتـداد سـبعة دقائق ضد شـخص لا نعرفـه ولا يعرفـه القاتل بتفاصيلها لهـا دلالات جمة لعـل أهمها مدى ثقل الموت على النفوس وكابوسـيته ومـدى بربريتـه بحيـث أن رفضنا له فـي الإطار غير القانونـي (الإجرامـي) لا يبـرر قبولنا له فـي الإطار الشـرعي والقانونـي حتـى وأن كان كعقـاب علـى جريمـة قتـل أخـرى لأن البربريـة والهمجيـة اللتان تسـمان القتل لا تتجزآن ولا يمكن رفضهما في سياق وقبولهما في سياق آخر.. هـذا وتـرى الكاتبـة السـينمائية البولنديـة أنات انسـدورف Insdorff Annette أن السـؤال الذي يطرح نفسـه في هذا السياق هو: ما مدى تحمل الجمهور لمشـاهد عنف سـينمائية قريبة جـدا للنمط التسـجيلي الواقعي (بعيدا عن الإثارة الهوليوودية ومغرياتهـا)؟ وهو ما يؤدي لتسـاؤل إشـكالي أكبر: مـاذا يمكـن لكائـن بشـري متحضـر تحملـه عنـد مشـاهدة الدولـة وهـي بصـدد قتل أحـد مواطنيهـا (عملية إعدام ياتسيك). لقـد حـاول كيسلوفسـكي مـن خـلال سـينما «القلـق الذهنـي» lʼinquiétude morale التـي قدمهـا لنا فـي فلمـه « لا تقتل» وفـي باقـي أفـلام الوصايـا التـي عرضـت علـى التلفزيـون البولنـدي فـي الثمانينـات أن يواجـه الواقـع البولندي الذي شـبهه النقاد «بمزرعة الحيـوان» وقـد صـوره اخملـرج فـي هـذا الفيلـم بكاميـرا «مفلتـرة» باللون الأخضـر وبنوع من الأقنعـة الداكنة في أطـراف إطارهـا cadre ممـا أعطانـا صورا ومشـاهد قاتمـة لمدينة فرسـوفيا فـي الثمانينات وهـي تقنيـة فيلمغرافية تجريبيـة ذات أبعاد رمزيـة اختصت بها السـينما الأوروبية الشـرقية وقد وظفها اخملـرج لينقـد نتائج عشـريات ثقـال من حكم الحزب الشيوعي لبولندا في سيطرة مطلقة على حياة الأفـراد حيث حكم البلاد بالحديـد والنـار ولـم يعـرف البولنديون حينهـا حقوقا إلا تلـك التي أقرهـا له حزبه الوحيد.. وقـد كان اخملـرج كيسلوفسـكي مـن أول الأصـوات التي ناهضـت، فنيا، هـذه الحقبة فقـد قـدم عـام 1979 فـي فيلمـه «الهـاوي» lʼAmateur حكايـة مفادهـا أن موظفـا مثاليـا حصـل علـى كاميـرا سـينمائية فأخـذ يصـور الناس ليكتشـف حقيقة البـؤس الذي يغلـف حياتهـم بسـبب الشـيوعية، كمـا قـدم فيلمـا آخـر سـنة 1976 بعنـوان «الهـدوء» Le Calme حول العمل وأحوال الشغيلة إلا أنه منع لمدة أربع سنوات. في كلمة حمل فيلم « لا تقتل» للمخرج كيسلوفسكي كما باقي أفـلام الوصايـا التي أعدهـا بين سـنتي 1987-1989 قائمـة طويلـة مـن الأحـزان والآلام والخطايـا التـي تعكس نوعا من التشوش الأخلاقي تماما كما يعيشه مجتمعـه إلا أن رسـالته الحقيقية مـن كل ذلك هو أن نحب ونسـامح ولا نجازي من أخطأ معنا بمثل خطأه أو بمثل عنفه الذي مارسـه علينا، فالقتل لا يرد عليه بقتـل مضاد خاصة إذا جاء من الدولة وإلا تحول إلى انتقام وفعل بربري آخر.. الفن والفلسـفة والسياسـة كانوا حاضرين دائما ليـس فـي فيلمـه قيـد القـراءة «لا تقتـل» وإنمـا فـي مختلـف أفلامه التـي أنجزها بين فرسـوفيا وباريس حيـث أسـئلة المصيـر والصدفـة والعبـث كانـت حاضرة دائما بين طيـات أفلامه ولم يتخل عنها أبدا، والشخصية المفضلة لدى كامي Camus كانت هي ذاتها شـخصيته (ياتسـيك) في فيلمه «لا تقتل» لكن في طقس آخر مختلف إلى حد النقيض. ٭صحافي وكاتب من تونس tunisiendecarthage@yahoo.fr ■ 

Aucun commentaire: