- صحيفة القدس العربي -بدر السلام الطرابلسي
بالرغم من الحبر الكثير الذي سال بلغات عالمية عديدة على فيلم ‘السكان الأصليون’Indige
nes للمخرج الجزائري رشيد بو شارب، وبالرغم أيضا من الاستنطاقات العديدة التي جالت في ثنايا معانيه وصوره السينمائية المختلفة.
nes للمخرج الجزائري رشيد بو شارب، وبالرغم أيضا من الاستنطاقات العديدة التي جالت في ثنايا معانيه وصوره السينمائية المختلفة.
إلا أن هذا الفيلم لا يزال يعد مبحثا سينماتوغرافيا مفتوحا أمام النقاد والباحثين لتعدد القضايا التي زخر بها وتجذرها في تاريخ الحركة الاستعمارية لشعوب شمال افريقيا، ولثرائها بالمعاني الانسانية والأممية التي جمعت وتجمع في مواضع استثنائية ومقطعية من الفيلم، بين الأعداء والمتناقضات، من أجل غايات واحدة ذات عناوين متعددة: الحب والحرية والسلام.
تروي حدودة الفيلم قصة بطولة جماعية لأربعة رجال مغاربة من شمال افريقيا تم تجنيدهم من قبل الاستعمار الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية من أجل قتال النازيين الذين كانوا يحتلون فرنسا آنذاك، وبالرغم من الطموحات والأحلام العديدة التي أمل أبطال الفيلم تحقيقها، فإن صعوبات التجربة الانسانية التي خاضوها، وتحديات القدر، جعلت من أحلامهم وآمالهم هباء منثور، ومن أجسادهم قربانا لجلادهم الذي لم يعترف ببطولاتهم وانتصاراتهم..
لم يكن الفيلم قيد التحليل يروي حكاية أسطورية تمجد شجاعة المغاربة والأفارقة الذين شاركوا في حرب تحرير فرنسا، كما لم يقم على قصة خيالية من نسج خيال مخرج الفيلم لتوسل عاطفة الفرنسيين والغرب بصفة عامة من أجل أن يشكلوا صورة ولو غير واقعية عن أحداث شهدها تاريخ فرنسا المعاصر. وإنما قامت لبنات ‘السكان الأصليون’ على وقائع حقيقية يدعمها ما يستشف من بحث مكثف، وشهادات حية ارتكز عليها المخرج الجزائري رشيد بو شارب ليقدم هذا العمل الفني الرائع، والذي استطاع من خلالها أن ينبش حقبة تاريخية مليئة بالمآسي الانسانية، سواء بالنسبة لمن كان في خندق الصراع العالمي من أجل إعادة تقسيمه وتحرير بعضه الذي هيمنت عليه النازية أو بالنسبة لاولئك الجنود الأفارقة والمغاربة الذين شاركوا طوعا وإكراها في حرب تحرير بلد آخر غير موطنهم الأصلي، ليكافأوا في الأخير بالنسيان والحرمان حتى من ذكرى الاعتراف الرسمية.
وبالعودة لأبطال الفيلم الأربعة الذين جندوا من تونس والجزائر والمغرب لينضموا لفرقة ما يسمى بـ’سكان المستعمرات’ ، يكتشف المتابع لهذا الفيلم من الوهلة الاولى غايات هؤلاء الجنود الأربعة من المشاركة في هذه الحرب، والتي لم تتجاوز في الظاهر رغبة كل من ياسر (سامي النصري) وأخيه المغربيين في تحصيل المال اللازم للزواج، وبأسرع وقت حسبما تضمنه لهما المشاركة في الحرب، وهو نفس الأمر بالنسبة لشخصية سعيد التي يجسدها الممثل الجزائري جمال دبوز، الذي أراد هو الآخر كسب المال والتحرر أيضا من حماية أمه وحبها المبالغ فيه، في حين كان الكوربورال عبد القادر والذي يتقمص شخصيته الممثل التونسي المتميز سامي بوعجيلة يحلم بأن يصبح كولونيلا في الجيش الفرنسي.
في الواقع، هنالك أمر آخر لم يتطرق له النقاد عند تناولهم للفيلم بالدرس والتحليل، ويتعلق بالانبهار الذي بدا واضحا على هؤلاء الجنود عند وصولهم لفرنسا واصطدامهم بنوع آخر من الحضارة والثقافة والعمران والمجتمع لم يروا له مثيلا في بلدانهم، بل كانت بالنسبة لهم بمثابة الدورادو مدينة الذهب الساحرة التي ستغير حياتهم إلى الأفضل بعد ان عانوا الفقر والحرمان والتخلف والاحتلال في بلدانهم، نوعا من الفنطازيا التي بدت تتكشف لهم شيئا فشيئا كلما مكثوا فيها وحاربوا من أجلها، فمسعود، بعد عودتهم من جنوب ايطاليا منتصرين، يلتقي بايرين في مدينة مرسيليا، وهي فرنسية جميلة ولطيفة، خيل إليه انها حورية تسكن الأرض، لم يضع كثيرا من الوقت حتى أحبها وتعلق بها وبقي يراسلها بل وجعلته يتعلق بذلك البلد الذي يمتد على شمال ضفة المتوسط ويرغب في البقاء فيه مع حبيبته الجميلة ايرين، وكذا الأمر مع سعيد الذي وجد في الرقيب الذي يرأس الفرقة التي ينتمي اليها أبا وصديقا يحترمه ويكرمه، مما جعله كذلك يتعلق به وببلده ويرغب في اعماقه ان يكون له مستقرا بعد الحرب، كما لم يكن الكوربرال عبد القادر ببعيد عن تطلعاتهم وإن عنت له المشاركة أمرا آخر، أمرا يتعلق بالسمعة العسكرية والارتقاء في سلم الرتب العسكرية للجيش الفرنسي، وكأنه يبحث عن نوع من الاعتراف والكرامة التي هدرت بفعل الفلسفة الاستعلائية للمستعمر. لقد كان يجتهد ويقرأ الكتب العسكرية من أجل هذه الغاية، جميعهم رأوا في البلد الذي هاجروا من أجل تحريره طوعا أرضا للأحلام، حيث ستحقق أمنياتهم بعيش أفضل سواء بالمال الذي سيجنونه أو بالمقام الذي سيرتفعون إليه، كل واحد فيهم كان يستبطن ‘أليس’ Alice لكن هذه المرة في غير فنطازيا العجائب والأحلام، بل في فنطازيا الملاحم التراجيدية، وفي مجتمع استعلائي لا يعترف بتضحيات الآخر من أجله ومن أجل القيم الكونية التي من المفترض أنه يؤمن بها، غير أنها لم تترسخ بعد عنده، على ما يبدو، تلك القيم الكونية من مساواة وعدل وكرامة…
لقد سرقت رسائل مسعود لحبيبته ايرين ولم تصلها منه أية رسالة كما لم يتلق منها أي جواب، مما دفعه لمحاولة الهرب من الخدمة العسكرية للبحث عنها والاطمئنان عليها، وعومل الكوربورال عبد القادر بتمييز عن باقي الجنود والضباط الفرنسيين أصحاب الرتب العسكرية المختلفة، حتى أن الرقيب الفرنسي قال له بأن العرب لا يصلحون للقيادة، وعومل سعيد بشكل مهين من الرقيب أيضا عندما أثار في دردشة حميمية معه موضوع أصول الرقيب العربية من أمه تحديدا، فما كان من هذا الأخير إلا ان نهره وطرده خارج غرفته متوعدا اياه إن تحدث ثانية عن أصوله العربية.
لقد تكبد هؤلاء المغاربة عناء كثيرا من أجل تحرير فرنسا من الاحتلال النازي بل ووصلت تضحياتهم إلى تقديم أرواحهم قربانا من أجل حرب التحرير والتي كانوا يعتقدون أن فيها خلاصا لفرنسا ولبلدانهم المستعمرة، وقد ظهر ذلك جليا في المعركة الأخيرة التي خاضوها في قرية ألزاسية حيث قتلوا جميعا إلا عبد القادر الذي نجا بعد معركة بطولية خاضوها ضد العسكر الألمان من أجل حماية سكان تلك القرية، وفي الأخير كانت مكافأتهم بأن سارع الجنود الفرنسيون الذين أتوا بعد انتهاء المعارك إلى التقاط الصور الصحافية مع أهالي القرية على أساس انهم هم من قاموا بتحريرها!
لقد كانت الملحمة الأخيرة التي خاضها جنود سكان المستعمرات الفرنسية في الألزاس ذروة الفعل الدرامي التي وصل إليها الفيلم، بل وأيضا ذروة الفعل الفني السينماتوغرافي الذي أبدعه المخرج الجزائري الملتزم رشيد بو شارب وذلك من حيث المكان الذي تم اختياره للتصوير والديكور الخارجي للمعركة والمساكن التي قصدها أبطال الفيلم، هذا دون أن ننسى الصور الدرامية المعبرة خاصة تلك اللتي تلت مقتل رفاق الكوربورال عبد القادر، واللحظة الدرامية/الصدمة التي هزت عبد القادر عندما رأى لعنة النكران تعصف به وبرفاقه الذين ماتوا في المعارك دون ادنى اهتمام من جيش التحرير الفرنسي، وما زاد من تكاثف الايحاءات التي خلفتها تلك الصور الدرامية هو تلك الموسيقى التي رافقها الصوت العذب والحزين للفنان الجزائري الشاب خالد وهو يقول ‘هجرت بلادي…وتتركت وحدي كيف البراني..’، هذا دون أن ننسى مشاهد أخرى داخلية وخارجية انتصر فيها هؤلاء الأبطال لكرامتهم وحريتهم أمام صلف قياداتهم العسكرية وتمييز الجنود الفرنسيين عنهم، سواء في أبسط الأمور كنوعية الأكل مثلا، أو في أعقدها كالارتقاء في الرتب العسكرية.
في كلمة..
لقد أثار فيلم’السكان الأصليون’ عند عرضه جدلا كبيرا في فرنسا وتحفظ قواها اليمينية، لجرأته الكبيرة في تناول قضية انسانية من تاريخنا المعاصر، تتعلق بمساهمة الجنود المغاربة والأفارقة في حرب التحرير الفرنسية ضد النازية وتضحياتهم التي قدموها لأجل فرنسا التي لم تعترف ببطولاتهم وتضحياتهم وتنكرت لهم، ولولا هذا الفيلم الذي أثار قضية المحاربين القدامى لدى الحكومة الفرنسية التي يرأسها شيراك آنذاك لما أمر بصرف تعويضات لهم وإن تم الالتفاف عليها فيما بعد.
لقد كان حلم أبطال الفيلم المغاربة من مشاركتهم في تلك الحرب هو جني المال والكرامة ورفعة المقام الا انهم لم يحصدوا منها غير التمييز والتجاهل والموت دون حتى اعتراف بما قدموه من بطولات لأجل فرنسا التي كانو يعتبرونها كأمهم آنذاك، وحتى اللحظات السعيدة التي غنموها في غفلة من الحرب والمعارك سرعان ما تبخرت ولم يبق إلا الألم والانكسار ولعنة النكران والنسيان.
*صحافي تونسي مقيم بالدوحة


Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire