jeudi 4 août 2016

تونس:الارهاب بين الجدار العازل و"افرح بيّه" وفجر ليبيا

بدر السلام الطرابلسي- موقع ايلاف
لم يأت قرار الحكومة التونسية ببناء جدار عازل على امتداد مساحات هامة من الحدود التونسية مع الجارة ليبيا من فراغ، فقد أصبحت الحدود الليبية مع تونس تشكل هاجسا أمنيا جدّيا للدولة التونسية. 
بالمقابل، هنالك شكوك حقيقية ومعقولة حول جدوى اقامة هذا الجدار بملاحقه من سواتر رملية وخنادق، خاصة وأن هذا السور لا يمتد على كامل الحدود التونسية الليبية بل يقتصر على 128 كيلومترا تمتد من معبر رأس جدير إلى معبر الذهيبة، من جملة مسافة تقدر بـ460 كيلومترا.
الارهاب في الداخل 
في الواقع، الموقف الرسمي لم يأت على كل الحقيقة، وإن قدم جزءا منها حينما شخّص حالة العمليات الارهابية في تونس ومصدرها والجهات التي تقف وراءها. ولعلّ عمليتي باردو وسوسة الارهابيتين، واللّتين راح ضحيتهما عشرات السيّاح الأجانب، كشفتا عن وجود بعض التقصير وغياب اليقضة الأمنية وبطأ التعاطي الأمني المحترف مع الهجمات الارهابية المسلحة في الوقت المناسب. وهو ما دفع بالحكومة لاقالة بعض المسؤولين والقيادات الأمنية في كل مرة يحصل فيها هجوم مماثل.
في هذا دليل على أن قضية الارهاب في تونس لا تقتصر على الحدود مع ليبيا، وأن الارهاب لا يأتي من ليبيا فقط، التي تعتبر محطة عبور ومعسكر تدريب وخزان أسلحة ضخم للارهاب. فالمتشددون الذي ينفذون العمليات في تونس أغلبهم من حاملي الجنسية التونسية، وأغلبهم سافر إلى ليبيا للتدرب على القتال والقنص والتفجير ثم عادوا بعدها لتونس برتب عسكرية وتنظيميّة لتطبيق ما تدربوا عليه من قتل وتدمير، في مسار دائري مغلق، ذهاب وعودة، تماما مثلما فعل سنة 1980الكومندوس التونسي المعارض لحكم بورقيبه، الذي سلحه ودربه القذافي ليعود لتونس بعدها عبر الحدود الليبية لقلب نظام الحكم بالقوة العسكرية، غير أنه فشل. 
لذلك، فإن قدرة الجدار على توفير الوسيلة الممكنة لمراقبة الحدود بطريقة أسهل وصدّ جانب هام من تجارة السلاح والتهريب وتنقل الارهابيين، هذه القدرة عاجزة، حسب الكثير من المراقبين والمحللين، على منع وايقاف مثلا، ما بات يعرف في تونس سخرية بحزب "افرح بيّه" وهي ظاهرة تتلخص في وجود بعض من عناصر الأمن والديوانة الذين لا يجدون حرجا في ترك بعض المهربين وتجار السلاح وأمراء السوق الموازية من المرور مقابل بعض المبالغ مالية. مع العلم أن هؤلاء التجار: مثلما يهربون البضائع فإنهم يهربون كذلك السلاح والذخيرة.
إذا فليبيا ليست المصدر الحصري للارهاب في تونس وإن كان البعض من مسؤوليها خصوصا في نصفها الغربي ضالعون فيه عبر احتضانهم لهجرات المتشددين التونسيين وتوفير شتى صروف الدعم اللوجستي والمادي والعسكري لهم، وإنما العامل الداخلي له دور كذلك. وحينما نتحدث عن العامل الداخلي لا نقصد فقط التقصير الأمني وظاهرة حزب "افرح بيّه"، بل نتحدث أيضا عما بات يعرف بجهاز الأمن الموازي الذي زرع في وزارة الداخلية حينما كانت الترويكا بقيادة حركة النهضة (اسلام سياسي) في الحكم، مما خلق ولاءات أمنية لأحزاب سياسية داخل الوزارة على حساب ولائها للدولة، واتّهم جهاز الأمني الموازي بالتغاضي عن نشاطات التنظيمات المتشددة بل والتورط مع بعضها (تنظيم أنصار الشريعة) حسب افادات بعض قيادات النقابات الأمنية.
هذا العامل الداخلي يعتبره بعض المراقبين الأخطر على أمن البلاد وسيادة الدولة لأنه يعتبر بمثابة حصان طروادة الذي اخترق حصون الدولة من الداخل وسيساهم في اسقاطها بقصد أو بغير قصد.
إلى ذلك، جاء بيان مليشيات غرفة عمليات فجر ليبيا مفاجئا نوعا ما وفجّا بشكل كبير، حيث لم يقف عند الاعتراض على بناء الجدار دون استشارتهم، على أساس أنهم "دولة" أو "نظام سياسي" معترف به دوليا!؟ وإنما تمادوا لاعلان الحرب على "الجدار" واتخاذ كل الاجراءات العنفيّة لتعطيله!
ولسائل أن يتساءل هنا: لماذا هذا البيان الصادم والعنيف من مليشيات فجر ليبيا ضد الجدار وضد الدولة التونسية في آن واحد؟ ألم تقل هذه المليشيات سابقا أنها تعتبر نفسها حصنا ضد زحف العناصر الداعشية لتونس؟ فإذا بنا نجد انه حصلت عدة هجمات بعد تصريحاتهم أهمها هجمة باردو وبعدها هجمة سوسة، حيث كشفت التحقيقات أن منفذها سيف الدين الرزقي ينتمي لتنظيم داعش الذي تبنى العملية، وتدرب في معسكرات تنظيم انصار الشريعية الارهابي المحظور في مدينة صبراطة غرب ليبيا، التي تبعد 45 كيلومترا عن الحدود التونسية في منطقة تقع تحت نفوذ مليشيات فجر ليبيا وأنصارها!؟
غموض الملابسات التي تحوم حول هذا الجدار، وردّة فعل تنظيم مليشيات فجر ليبيا الحانق، وسرعة الشروع في انشائه، يحيلنا إلى فرضية أخرى تقف وراء هذا الجدار. ولربما هي ضعيفة او مستبعدة لكنها تدخل في باب الممكن، خاصة ونحن نتعامل يوميا مع المعلومة ونقيضها، ولم تعد هنالك من يقينيّات في علاقات الدول فيما بينها فما بالك بالتنظيمات المليشياويّة، هذه الفرضية تقول انه إلى جانب أسباب بناء الجدار التي عللتها الدولة التونسية وقد سبق ذكرها، فإنه من الممكن ان تكون كذلك ردة فعل عقابية مؤجلة لتنظيم مليشيات فجر ليبيا الذي سبق وأن خطف دبلوماسيين تونسيين على خلفية ايقاف أحد قيادات التنظيم في تونس بتهم متعلقة بالارهاب.
في كل الحالات، تبقى الحكومة التونسية حرّة في انشاء ما تريد من أسوار وسواتر وجدران عازلة على حدودها ما لم تتخطى القانون الدولي، لكن الاشكال الإيتقي يكمن في ان هذا الجدار هو بمثابة العلامة السوداء في خريطة البلدين التاريخية، حيث ارتبط مصيرهما ببعض منذ حقبة البونيقيين مرورا بالغزو العربي حتى عهد البيات الذين وجد بعضهم فيها ملاذا آمنا بعد هروبهم من الدسائس والاغتيالات والتصفيات الدموية التي ارتكبوها ضد بعضهم البعض.
لذلك من الواضح أنه بقدر ما لهذا الجدار من "ايجابيات" بقدر ما له من سلبيات ومن مزيد تجذير الفرقة بين الشعبين الأخوين. كما ان قضية الارهاب والعنف والهجمات الدامية لن تتوقف في يوم وليلة ولو بني ألف جدار ونشر مائة ألف أمني. فالارهاب في تونس له ارتباطات برجال اعمال نافذين وسياسيين مرتزقة وشبكة معقدة من المصالح. وإذا لم تتخذ الحكومة التونسية قرارات صعبة وجريئة لاصلاح المؤسسة الأمنية وتطهيرها، وإذا لم تتصد بحزم للبعض من رجال الأعمال الفاسدين ومافيات المال والتهريب والمتاجرة بالسلاح، فلن يتحقق لها الاستقرار والأمن بشقيه الاقتصادي والمدني، لأن الحلول الترقيعية لن تأتي سوى بنتائج وقتية وباهته، والسواعد الضعيفة لن تقدر على البناء. 
 *صحافي تونسي مقيم بالدوحة

"فتاة المصنع" لمحمد خان: بين نوستالجيا الزمن الجميل والواقعية السينمائية الساحرة

بدر السلام الطرابلسي - موقع ايلاف 

في ظلمة الافلام التجارية السطحية والرخيصة والمتهافتة التي تغزو الساحة السينمائية المصرية، خرج علينا المخرج الباكستاني المصري **محمد خان منذ سنوات قليلة بفلم مختلف جعله نافذه على السينما البديلة او ما يمكن تسميتها أيضا بسينما المؤلف. "فتاة المصنع" فيلم صدر أواخر سنة 2013 وحصد الجوائز ولا يزال رجع صداه ماثلا في المدونة النقدية السينمائية لحد الآن، وما دفعني للكتابة عنه هو عمق الجمل السينمائية الواردة فيه وجدلية شخصياته الحالمة، التي تحمل مشاعر عميقة ومتناقضة، إضافة للمعاني الفكرية والنفسية التي ضمنها المخرج محمد خان لهذ الفيلم. ولعل هذا المنطلق هو الذي جعل مسار التفكير في هذا الفلم يتسامى عن السينماتوغرافيا التقليدية والتحليل الفني الكلاسيكي للمرور رأسا صوب القيم الفنية والرمزية التي ضمنها خان لفلمه، ولاستجلاء ملامح المدرسة الواقعية الجميلة والساحرة التي جذبها الفيلم لفلكه. قصة الفيلم تدور حول فتاة مصرية كادحة في مقتبل العمر لم  يمنعها وضعها الاجتماعي المتردي وعملها في المصنع من الحلم بفارس يحملها بين ذراعيه ويطير بها لــ"جنّة" القفص الذهبي، لكن فارس احلامها لم يكن يحمل صفة الفارس وتخلى عنها في اول اختبار اجتماعي حول عذريتها وطبقتها، وتركها وحيدة تواجه المجتمع الظالم إلى أن ظهرت براءتها "سليمة بختم ربها" من التهم التي لفقت إليها وتجاوزت محنتها بقوة الانثى المنتصرة.       رومانسية في زمن البؤس   الواقع الاجتماعي الصعب لم يمنع بطلة الفيلم هيام، (الذي أدته ببراعة الممثلة المصرية "ياسمين رئيس")، العاملة في  مصنع للنسيج من الوقوع في هوى المشرف الجديد للمصنع  (يلعب دوره الفنان هاني عادل).  لقد حلمت هيام وزميلاتها في المصنع كثيرا بفارس الأحلام الذي سيأخذ بأيديهن لجنة الحب ويهرب بهن بعيدا عن قساوة حياتهن البائسة، لكن هيام الوحيدة التي كانت لها الجرأة النسوية الفطرية لتفرض أنوثتها العذبة على صلاح المشرف الجديد مما جعله يقترب منها اكثر فاكثر لتصل ذروة التقرب بينهما لقبلة، حصلت عليها بجدارة. هذه القبلة العابرة التي امتزجت فيها روحها بروح حبيبها في مشهد أشبه ما يكون بالحلم ستتحول فيما بعد لأشبه ما يكون بلعنة تمزق اجزاء حياة هيام اليومية وتبعثر سلامها وهدوءها لتجد نفسها وحيدة في مواجهة مجتمع محافظ مغلق عدواني لا يسمع من المرأة، ويجنح دائما للحكم على نواياها. "سليمة بختم ربها"  العنف المادي والمعنوي الذي سلط على بطلة الفيلم بسبب شكوك حول فقدانها لعذريتها مع صلاح وعدم دفاعها عن نفسها جعل احداث الفيلم تتصاعد بنسق مغاير للجزء الأول من الفيلم، الذي يوحي بقصة رومانسية كلاسيكية. عدم دفاعها عن نفسها يأتي لطبيعة نسوية فطرية في شخصية هيام، فهي لم تخضع للضغوط وحافظت على انفتها وكبريائها ولم تبحث عن التبريرات او الدفاعات المسبقة، فهي تعرف جيدة انها بريئة وبانها لا حاجة لها في الدفاع عن شيء لم تقم به.  شخصيتها القوية وصمودها امام المجتمع جزء لا يتجزء من اندفاعها وجرأتها للظفر بحب حياتها المنشود. لكن انكساراتها وخذلانها لم يمنعاها من مواصلة عيش حياتها البسيطة بتفاصيلها وروتينها اليومي. الانتصار للذات في امتداد لخيط رفيع نسجه محمد خان في عدد من أفلامه (زوجة رجل مهم، أحلام هند وكاميليا، فتاة المصنع..) يواصل خان رفقة كاتبة سيناريو الفلم وزوجته وسام سليمان حبك ذات الروح الأنثوية المتمردة على الواقع والمجتمع الذكوري وسطوة الرجل الشرقي المتسلط. تلك الروح التي يملؤها التفاؤل والخيال برغم كل المثبّطات والمطبات الحياتيّة. وبالرغم من ان غالبية من تهجمن عليها من النساء (زميلاتها في المصنع، جدتها، جيرانها..) وبالرغم من تهجمهن عليها وتبادل الاتهامات فيما بينهن، إلا انهم في الأخير يقفن مع هيام بطلة الفلم خصوصا أمها وصديقتها  من المصنع. لقد تكرست فكرة الانتصار للذات الأنثوية المضطهدة بالتدريج في مختلف فصول الفيلم، وخصوصا في نهايته حيث تحضر هيام في ليلة زواج حبيبها من اخرى وترقص له وهي مشرقة وسعيدة ومنتصرة لذاتها ولروحها الجميلة المتمردة.     كلمة أخيرة  في المحصلة، نجد أن الكاميرا في فيلم فتاة المصنع لعبت ما تلعبه ريشة الفنان المبدع، لقد رسمت لنا صورة واقعية جدا لكنها ساحرة لهوامش القاهرة العمرانية ولأحيائها الداخلية الفقيرة، مما جعلنا نقترب كثيرا من شخوص الفيلم ومشاكلهم وقضاياهم المعقدة. كما لم تخرج الزوايا والكادرات التي تواخاها خان في التقاط المشاهد والصور واللقطات عن تقاليده في هذا المجال عبر نقل الواقع كما هو وتصويره بالشكل المبدع بذاته - وهو أمر في غياية الدقة والحرفية - وهذا ما يكون زخمه الداخلي وجاذبيته الطبيعية. في الأخير، لم تكن لهذه الميلودراما (غير التقليدية) أن تينع لولا ريشة الفنان محمد خان الذي أضفى شيئا من السحر والجاذبية على أحداث وقصص كنا نلتقي بها ونراها دائما وكثيرا في زحمة الحياة اليومية دون ان نعيرها الأهمية اللازمة.  إذ لم تكن قصص الغرام الفاشلة وقضية العذرية وغيرها من المواضيع التي طرحها الفيلم لتجذبنا إليها في اليومي الروتيني لولا كاميراهات المخرج محمد خان الذي اعطت لهذه المواضيع بعدا رابعا وخامسا وسادسا وقدر ما نشاء من الأبعاد..  هكذا هو دور المبدع الأصيل، يخرج بنا من النمطية الواقعية الجافة ليقدم لنا مشاهد وفصول من حياتنا مرفودة بالسحر والخيال والنوستالجيا، ويبعث الحياة في كل ما يلمسه. *صحافي تونسي مقيم بالدوحة **كنت بصدد كتابة هذا المقال عندما علمت بوفاة المخرج الباكستاني المصري محمد خان رحمة الله. أرجو أن يكون هذا المقال مساهمة ولو بسيطة جدا في التعريف بأعمال الرجل وإنصافه قدر المستطاع لما قدمه من أعمال فنية خلدت اسمه في المدونة السينمائية العربية. 

المنصف المرزوقي.. الحقوقي والعلماني المعتدل؟


بدر السلام الطرابلسي 
موقع الحوار المتمدن بتاريخ 14/11/2014
نجح رئيس الجمهورية التونسية المؤقت محمد منصف المرزوقي، إلى حد ما، في الترويج لصورته في الداخل كمثقف وحقوقي مستشرس في الدفاع عن مبادىء حقوق الانسان، وفي الخارج كعلماني معتدل قادر على التوفيق بين السلفيين المتشددين والاسلاميين "المعتدلين" من جهة، وبين الليبراليين واليساريين والعلمانيين "المتطرفين"(حسب وصفه لهم) من جهة أخرى، ولهذا وذاك ترى فئة من التونسيين أن المرزوقي الأجدر بقيادة تونس في الفترة القادمة.
غير أن الوقائع على الأرض تخلف شكوكا حقيقية حول مدى مصداقية هذه الدعاية، ومدى مطابقتها لما أتى ويأتي به المرزوقي من أقوال وأفعال خلال فترة حكمه التي تنتهي بالانتخابات الرئاسية أواخر شهر نوفمبر القادم.
حقيقة المثقف الحقوقي
هنالك فئة من التونسيين تعتبر أن المنصف المرزوقي رجل مثقف ذا علم كثير، وحقوقي مبدئي لا يتوانى في الدفاع عن المظطهدين وعن مبادىء الثورة وأهدافها.
في الحقيقة، لا يمكن انكار أن المنصف المرزوقي كان، خلال حقبة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، حقوقيا شرسا ما فتىء يدافع عن المساجين السياسيين وعن انتهاكات حقوق الانسان، ولا ينكر أحد أيضا أنه كان من أول الداعين للعصيان المدني عبر منبر قناة الجزيرة في فترة حكم بن علي، لكن هذه المسيرة الوردية في الدفاع عن حقوق الانسان في تونس تغيرت عندما اعتلى المرزوقي سدة الرئاسة، فصار مشهدا عاديا مثلا أن نراه يستقبل في قصر الرئاسة أقطابا من السلفية الجهادية أبرزهم "الشيخ" خميس الماجري، والذين ما فتئو يحرضون أنصارهم على العنف ضد خصومهم، ويحرضون الشباب التونسي على السفر إلى سوريا من أجل ما أسموه "الجهاد" ضد النظام السوري، اضافة إلى تحريضهم ضد الأمن والجيش الوطني في تونس بوصفه بــ"الطاغوت" ، وهي ذات الكلمة التي استعملها المرزوقي مؤخرا في حملته الرئاسية، وقد ساهم خطابهم التحريضي في حمل فئة من الجهاديين وانصار الشريعة السلاح ضد الدولة التونسية وقتلهم أبناء وطنهم بتهمة الكفر وخدمة الطاغوت.
علاقة المرزوقي بهذه الفئة، توضحت أكثر باستشراسه في تعطيل قانون مكافحة الارهاب في المجلس التأسيسي الذي لو صدر وقتها لجنب المؤسستين الأمنية والعسكرية الكثير من الخسائر في الأرواح، خاصة وأن الكثير من العناصر "الجهادية" فلتت من المحاسبة القضائية في غياب هذا القانون الرادع.
هذا دون أن ننسى اشرافه المباشر على ما يسمى "لجان حماية الثورة"، التي بالرغم من تاريخها القصير الأسود في العنف والاقتصاص من الخصوم، وبالرغم من حلها قانونيا، لازال المرزوقي يوظفها في حملته الانتخابية من خلال انتداب البعض من عناصرها المعروف عليهم بالبلطجة والتحريض على العنف والقتل لأجل الترويج والدعاية له.
القرائن والدلائل كثيرة على تنكر الرئيس التونسي المؤقت لمبادئه الحقوقية وتوظيفه لها لما يخدم مصلحته الشخصية ومصلحة الأطراف القريبة منه، فقد رأيناه يستبسل في اثارة انتهاكات حقوق الانسان عندما يتعلق الأمر باعتقال المشبوهين بتهم ارهابية في حين نراه يسكت مثلا على مقتل أحد منتسبي حركة نداء تونس من عناصر "لجان حماية الثورة" ولا يطلب حتى بفتح تحقيق قضائي.
ولعل أخطر خطأ ارتكبه المرزوقي في هذا المجال هو سكوته عن تسليم البغدادي المحمودي من قبل رئيس الحكومة حمادي الجبالي ساعتها من خلال صفقة مع اسلاميي ليبيا، وهو يعلم جيدا أن ليبيا لا توجد فيها الضمانات الحقوقية الضرورية لمحاكمة عادلة.
حقيقة العلماني المعتدل
بعض الاوساط الدولية تعتقد، بسبب نقص في المعلومات لديها أو لأن ما يصلها من معلومات يأتي من شبكة واحدة، تعتقد أن الرئيس المؤقت المنصف المرزوقي يقف على مسافة واحدة بين الاسلاميين والعلمانيين في تونس.
ما غاب عن هذه الأوساط أن قرب المرزوقي للاسلاميين بمختلف اتجاهاتهم لا تضاهيه أية مسافة يقفها من الحداثيين والعلمانيين وأصحاب التوجهات المدنية، فالرجل لا يتوانى عن استغلال أي فرصة سواء في الداخل او الخارج للتعبير بشكل مباشر او غير مباشر عن دعمه للاسلاميين على حساب من من المفروض أن يكون معهم في نفس المعسكر الفكري، وأذكر في هذا السياق تصريحه الخطير من مدينة مسراته الليبية خلال اجتماع مع متشددين اسلاميين ليبيين، والتي لام فيها العسكر الجزائري لأنهم أخرجو الاسلاميين من السلطة في حقبة التسعينات، مما كاد يخلق أزمة كبيرة لولا حكمة الشقيقة الكبرى الجزائر، وهذا خطأ دبلوماسي خطير ولكنه ليس الوحيد.
لا يمكن الانتقال من هذا المحور دون الاشارة أيضا لتعامله مع خصومه السياسيين الذين "وبالصدفة" ينتمون جميعهم للمعسكر العلماني الحداثي المدني، حيث لا يتوانى عن تصفية حساباتهم معهم أينما حل داخل تونس او خارجها وهو متقلد لمهامه كرئيس الدولة ما يفرض عليه واجب التحفظ والحياد، إلا انه لا يتوانى عن انتقادهم أينما حل ووصفهم بــ"العلمانيين المتطرفين" خلال حوار مع قناة الجزيرة وبأنه سيعلق لهم المشانق إذا حاولوا الانقلاب عليه، ووصفهم بـ"الطاغوت" خلال اجتماع مع أنصاره في ولاية القيروان، وهو المصطلح الذي تستعمله التنظيمات الارهابية لوصف الانظمة العربية واجهزة الأمن والجيش لتبرير شن العمليات الارهابية ضدهم.
هنالك الكثير من الشواهد تثبت بما لا يدع مجالا للشك زيف الدعاية المظللة التي تقول باعتدال المرزوقي وتوفيقه بين مختلف الأطراف التي تؤثث المشهد السياسي في تونس، ولعل أهم واكبر دليل على ما أقوله هو رفض حزب المؤتمر من اجل الجمهورية الذي ينتمي إليه المرزوقي، رفض المشاركة في الحوار الوطني للخروج من الأزمة السياسية الخانقة التي كانت تهدد باسقاط البلاد في الفوضى اثر الاغتيالات التي حدثت لسياسيين بارزين وهما الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي.
السياسة تستوجب الحكمة والرصانة، وإدارة الشأن العام تستوجب التسامي على الخلافات ومسك العصى من الوسط، الأمر الذي فشل فيه المرزوقي. 
ربما لم يصدق أنه رئيسا لكل التونسيين وليس لحزبه وحلفائه فقط، ربما تراءى له أن الجمع بين الحقوقي ورئيس الدولة في خلطة واحدة سيضمن له النجاح، ربما أن وهم العظمة صوّر له أن كل ما يفعله سيكون صوابا لأن له تاريخا نضاليا ولا يحق لأحد محاسبته، بل وعليهم انتخابه ثانية للرئاسة! ولكن مهما كانت أفكاره وتناقضاته الداخلية ومصالحه الذاتية، كان الأجدر به تغليب مصلحة الوطن ووحدته ومصالحة بعضه على بعضه، فتونس تعيش تحديات كثيرة بعد الثورة وفي أمس الحاجة لمن يوحدها لا لمن يشتت شملها ويؤلب عليها الأمم.
*صحافي تونسي مقيم في الدوحة.

تونس على عتبة أزمة دستورية جديدة

بدر السلام الطرابلسي - موقع شفّاف الشرق الأوسط 
27/نوفمبر/2014
اثر انهاء التونسيين مهمة الانتخابات التشريعية على أتم وجه، وتلقيهم شهادات الاستحسان المحلية والدولية بمختلف الألوان واللغات، تأتي الانتخابات الرئاسية لتطرح اشكالا دستوريا لم يكن من المتوقع أن يكون بهذه الحدة.
لقد خلقت مسألة تكليف رئيس الدولة للائتلاف الانتخابي الفائز في الانتخابات التشريعية التونسية بتشكيل حكومة والتشاور معه حول اختيار وزير الخارجية والدفاع شبه أزمة دستورية بسبب تمسك الرئيس التونسي المؤقت والمعين من قبل المجلس التأسيسي، المنصف المرزوقي، بتكليف رئيس الحزب الفائز في الانتخابات، الباجي قايد السبسي، بتشكيل الحكومة في حين ان هذا الأخير يتمسك بأن يقوم بهذه المهمة الرئيس الجديد المنتخب بشكل حر ومباشر من قبل التونسيين.
يعود اشكال التكليف الرئاسي بتشكيل حكومة جدية حقيقة لسببين. أولهما، تقديم الانتخابات التشريعية على الرئاسية. وثانيهما الاحراج الذي يخلقه الفصل 89 من الدستور التونسي الذي ينص على "في أجل أسبوع من الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات، يكلف رئيس الجمهورية، مرشح الحزب أو الائتلاف الانتخابي المتحصل على أكبر عدد من المقاعد بمجلس نواب الشعب، بتكوين الحكومة خلال شهر يجدّد مرة واحدة".
بالنسبة للعرقلة التي يمثلها تقديم الانتخابات التشريعية على الرئاسية، فهي مرتبطة أساسا بالجهة الرئاسية المخولة بتكليف الائتلاف الانتخابي الفائز لتشكيل حكومة والتشاور حول منصبي وزارة الدفاع والخارجية، هل يكون الرئيس الحالي المؤقت محمد المنصف المرزوقي المعين من قبل المجلس التأسيسي لرئاسة البلاد في المرحلة الانتقالية أو الرئيس الجديد المنتخب، وهذا الاشكال الدستوري ظهر على السطح حينما طالب المرزوقي رئيس حركة "نداء تونس" الفائزة في الانتخابات التشريعية بتشكيل حكومة، علما وان تشكيل الحكومة لا يقوم به الحزب الفائز بمفرده بل بالتشاور مع باقي الكتل النيابية وبعد تحصيل تحالف نيابي يصل لــ51 بالمائة، وهذه المشاورات تتطلب وقتا لا يمكن حصره في مدة الشهر التي من المفترض أن تنجز فيها هذه المهمة خصوصا بوجود جولة انتخابية ثانية للرئاسة، وبالتالي فان هذا التداخل الزمني بين المهمتين الانتخابية ومهمة تكوين الائتلاف وتشكيل الحكومة غير ممكن نظريا وتقنيا.
بالعودة للسبب الثاني الممثل في الاحراج الذي يخلقه الفصل 89 من الدستور التونسي والذي ينص على أن رئيس الجمهورية يكلف رئيس الحزب الفائز في الانتخابات بتشكيل حكومة في مدة شهر واحد، نجد ان الدستور التونسي الجديد لم يحدد إن كان الرئيس الحالي هو المعني بالأمر او الرئيس الجديد المنتخب تؤول له صلاحية الدعوة لتشكيل الحكومة الجديدة.
وقد قسّم هذا الفصل من الدستور، خبراء القانون الدستوري بين داعم للطرح الدستوري القائل بان التكليف بتشكيل الحكومة الجديدة يقوم به الرئيس المعين الحالي، وذلك أخذا بمباشرية النص الدستوري دون الأخذ بعين الاعتبار الاحراج الذي يطرحه تقديم الانتخابات التشرعية على الرئاسية خلال جلسات الحوار الوطني، لأنه لو قلب اللوجيستيك الانتخابي في صيغته الحالية لكان الرئيس الجديد هو المخول الوحيد بالتكليف الحكومي ولما حدث هذا الاشكال الذي بقي كالفخ في مسار الانتقال الديمقراطي.
أما عن الطرح المقابل فيرى أن تأويل نصوص الدستور تفترض أن يكون الرئيس الجديد المنتخب انتخابا حرا ومباشرا هو المعني بالدعوة لتشكيل الحكومة خصوصا وانه سيناقش معه خطط وزارتي الخارجية والدفاع وسيكونون جميعهم ضمن جهاز الحكم التنفيذي المتقاسم بين رئاسة الحكومة ورئاسة الدولة.
ويعتمد هذا التوجه على التأويل القانوني والسياسي لأحكام الفصل 89 من الدستور والتي لم تحدد الهوية القانونية والانتخابية للرئيس المكلف بالدعوة لتشكيل الحكومة خصوصا في غياب تراتبية منطقية لأولوية الرئاسية على التشريعية في المسار الانتخابي.
هذه التاويلات أسندتها مقررات الحوار الوطني التي تركت تعيين الحكومة مؤجلة لحين انتخاب رئيس جديد للبلاد. وقد هيئة الحوار الوطني اعلى هيئة سياسية مدنية في البلاد كانت ملاذا في السابق للاحزاب الوطنية للتحاور حول مستقبل البلاد والخروج من الأزمة السياسية التي كادت تعصف بالعملية الديمقراطية برمتها في حينها.
لقد قامت مجمل عملية الانتقال الديمقراطي في تونس على التوافقات الوطنية والحوار الوطني خصوصا في الفترة التي لم يتم فيها الانتهاء من الدستور. وهنالك من يعتبر ان الرئيس المؤقت الحالي المنصف المرزوقي لم يأتِ عن طريق الانتخاب الحر المباشر، وبانه يعتبر من بقايا هذه التركة الانتقالية ولا تطبق عليه بشكل دستوري رجعي أحكام دستورية وضعت لصياغة شكل الدولة التونسية الجديدة بشعارات الجمهورية الثانية.
في كل الحالات، وحسب سيرورة الاحداث التي جدت على تونس منذ اندلاع الثورة حتى الآن، وطريقة التعامل معها، فإن الذكاء التونسي قادر على تذليل أية عقابات اخرى سواء سياسية او قانونية او دستورية، خصوصا وان تونس لا تخلو من فقهاء القانون الدستوري، بالرغم من وجود بوادر عرقلة دستورية من بعض الأطراف السياسية الداخلية.
ومن المعلوم ان البرلمان القادم ستكون له صلاحيات تشريع القوانين وسيكون من أوكد اولوياته هو سد الثغرات الدستورية عبر المنظومة التشريعية المصاحبة والقوانين المكملة.
*صحافي تونسي مقيم في قطر

عن المغاربة الذين حرروا فرنسا: فيلم ‘السكان الأصليون’ أو رحلة الموت بحثا عن الألدورادو المفقود..


 - صحيفة القدس العربي -بدر السلام الطرابلسي
بالرغم من الحبر الكثير الذي سال بلغات عالمية عديدة على فيلم ‘السكان الأصليون’Indige
nes للمخرج الجزائري رشيد بو شارب، وبالرغم أيضا من الاستنطاقات العديدة التي جالت في ثنايا معانيه وصوره السينمائية المختلفة.
إلا أن هذا الفيلم لا يزال يعد مبحثا سينماتوغرافيا مفتوحا أمام النقاد والباحثين لتعدد القضايا التي زخر بها وتجذرها في تاريخ الحركة الاستعمارية لشعوب شمال افريقيا، ولثرائها بالمعاني الانسانية والأممية التي جمعت وتجمع في مواضع استثنائية ومقطعية من الفيلم، بين الأعداء والمتناقضات، من أجل غايات واحدة ذات عناوين متعددة: الحب والحرية والسلام.
تروي حدودة الفيلم قصة بطولة جماعية لأربعة رجال مغاربة من شمال افريقيا تم تجنيدهم من قبل الاستعمار الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية من أجل قتال النازيين الذين كانوا يحتلون فرنسا آنذاك، وبالرغم من الطموحات والأحلام العديدة التي أمل أبطال الفيلم تحقيقها، فإن صعوبات التجربة الانسانية التي خاضوها، وتحديات القدر، جعلت من أحلامهم وآمالهم هباء منثور، ومن أجسادهم قربانا لجلادهم الذي لم يعترف ببطولاتهم وانتصاراتهم..
لم يكن الفيلم قيد التحليل يروي حكاية أسطورية تمجد شجاعة المغاربة والأفارقة الذين شاركوا في حرب تحرير فرنسا، كما لم يقم على قصة خيالية من نسج خيال مخرج الفيلم لتوسل عاطفة الفرنسيين والغرب بصفة عامة من أجل أن يشكلوا صورة ولو غير واقعية عن أحداث شهدها تاريخ فرنسا المعاصر. وإنما قامت لبنات ‘السكان الأصليون’ على وقائع حقيقية يدعمها ما يستشف من بحث مكثف، وشهادات حية ارتكز عليها المخرج الجزائري رشيد بو شارب ليقدم هذا العمل الفني الرائع، والذي استطاع من خلالها أن ينبش حقبة تاريخية مليئة بالمآسي الانسانية، سواء بالنسبة لمن كان في خندق الصراع العالمي من أجل إعادة تقسيمه وتحرير بعضه الذي هيمنت عليه النازية أو بالنسبة لاولئك الجنود الأفارقة والمغاربة الذين شاركوا طوعا وإكراها في حرب تحرير بلد آخر غير موطنهم الأصلي، ليكافأوا في الأخير بالنسيان والحرمان حتى من ذكرى الاعتراف الرسمية.
وبالعودة لأبطال الفيلم الأربعة الذين جندوا من تونس والجزائر والمغرب لينضموا لفرقة ما يسمى بـ’سكان المستعمرات’ ، يكتشف المتابع لهذا الفيلم من الوهلة الاولى غايات هؤلاء الجنود الأربعة من المشاركة في هذه الحرب، والتي لم تتجاوز في الظاهر رغبة كل من ياسر (سامي النصري) وأخيه المغربيين في تحصيل المال اللازم للزواج، وبأسرع وقت حسبما تضمنه لهما المشاركة في الحرب، وهو نفس الأمر بالنسبة لشخصية سعيد التي يجسدها الممثل الجزائري جمال دبوز، الذي أراد هو الآخر كسب المال والتحرر أيضا من حماية أمه وحبها المبالغ فيه، في حين كان الكوربورال عبد القادر والذي يتقمص شخصيته الممثل التونسي المتميز سامي بوعجيلة يحلم بأن يصبح كولونيلا في الجيش الفرنسي.
في الواقع، هنالك أمر آخر لم يتطرق له النقاد عند تناولهم للفيلم بالدرس والتحليل، ويتعلق بالانبهار الذي بدا واضحا على هؤلاء الجنود عند وصولهم لفرنسا واصطدامهم بنوع آخر من الحضارة والثقافة والعمران والمجتمع لم يروا له مثيلا في بلدانهم، بل كانت بالنسبة لهم بمثابة الدورادو مدينة الذهب الساحرة التي ستغير حياتهم إلى الأفضل بعد ان عانوا الفقر والحرمان والتخلف والاحتلال في بلدانهم، نوعا من الفنطازيا التي بدت تتكشف لهم شيئا فشيئا كلما مكثوا فيها وحاربوا من أجلها، فمسعود، بعد عودتهم من جنوب ايطاليا منتصرين، يلتقي بايرين في مدينة مرسيليا، وهي فرنسية جميلة ولطيفة، خيل إليه انها حورية تسكن الأرض، لم يضع كثيرا من الوقت حتى أحبها وتعلق بها وبقي يراسلها بل وجعلته يتعلق بذلك البلد الذي يمتد على شمال ضفة المتوسط ويرغب في البقاء فيه مع حبيبته الجميلة ايرين، وكذا الأمر مع سعيد الذي وجد في الرقيب الذي يرأس الفرقة التي ينتمي اليها أبا وصديقا يحترمه ويكرمه، مما جعله كذلك يتعلق به وببلده ويرغب في اعماقه ان يكون له مستقرا بعد الحرب، كما لم يكن الكوربرال عبد القادر ببعيد عن تطلعاتهم وإن عنت له المشاركة أمرا آخر، أمرا يتعلق بالسمعة العسكرية والارتقاء في سلم الرتب العسكرية للجيش الفرنسي، وكأنه يبحث عن نوع من الاعتراف والكرامة التي هدرت بفعل الفلسفة الاستعلائية للمستعمر. لقد كان يجتهد ويقرأ الكتب العسكرية من أجل هذه الغاية، جميعهم رأوا في البلد الذي هاجروا من أجل تحريره طوعا أرضا للأحلام، حيث ستحقق أمنياتهم بعيش أفضل سواء بالمال الذي سيجنونه أو بالمقام الذي سيرتفعون إليه، كل واحد فيهم كان يستبطن ‘أليس’ Alice لكن هذه المرة في غير فنطازيا العجائب والأحلام، بل في فنطازيا الملاحم التراجيدية، وفي مجتمع استعلائي لا يعترف بتضحيات الآخر من أجله ومن أجل القيم الكونية التي من المفترض أنه يؤمن بها، غير أنها لم تترسخ بعد عنده، على ما يبدو، تلك القيم الكونية من مساواة وعدل وكرامة…
لقد سرقت رسائل مسعود لحبيبته ايرين ولم تصلها منه أية رسالة كما لم يتلق منها أي جواب، مما دفعه لمحاولة الهرب من الخدمة العسكرية للبحث عنها والاطمئنان عليها، وعومل الكوربورال عبد القادر بتمييز عن باقي الجنود والضباط الفرنسيين أصحاب الرتب العسكرية المختلفة، حتى أن الرقيب الفرنسي قال له بأن العرب لا يصلحون للقيادة، وعومل سعيد بشكل مهين من الرقيب أيضا عندما أثار في دردشة حميمية معه موضوع أصول الرقيب العربية من أمه تحديدا، فما كان من هذا الأخير إلا ان نهره وطرده خارج غرفته متوعدا اياه إن تحدث ثانية عن أصوله العربية.
لقد تكبد هؤلاء المغاربة عناء كثيرا من أجل تحرير فرنسا من الاحتلال النازي بل ووصلت تضحياتهم إلى تقديم أرواحهم قربانا من أجل حرب التحرير والتي كانوا يعتقدون أن فيها خلاصا لفرنسا ولبلدانهم المستعمرة، وقد ظهر ذلك جليا في المعركة الأخيرة التي خاضوها في قرية ألزاسية حيث قتلوا جميعا إلا عبد القادر الذي نجا بعد معركة بطولية خاضوها ضد العسكر الألمان من أجل حماية سكان تلك القرية، وفي الأخير كانت مكافأتهم بأن سارع الجنود الفرنسيون الذين أتوا بعد انتهاء المعارك إلى التقاط الصور الصحافية مع أهالي القرية على أساس انهم هم من قاموا بتحريرها!
لقد كانت الملحمة الأخيرة التي خاضها جنود سكان المستعمرات الفرنسية في الألزاس ذروة الفعل الدرامي التي وصل إليها الفيلم، بل وأيضا ذروة الفعل الفني السينماتوغرافي الذي أبدعه المخرج الجزائري الملتزم رشيد بو شارب وذلك من حيث المكان الذي تم اختياره للتصوير والديكور الخارجي للمعركة والمساكن التي قصدها أبطال الفيلم، هذا دون أن ننسى الصور الدرامية المعبرة خاصة تلك اللتي تلت مقتل رفاق الكوربورال عبد القادر، واللحظة الدرامية/الصدمة التي هزت عبد القادر عندما رأى لعنة النكران تعصف به وبرفاقه الذين ماتوا في المعارك دون ادنى اهتمام من جيش التحرير الفرنسي، وما زاد من تكاثف الايحاءات التي خلفتها تلك الصور الدرامية هو تلك الموسيقى التي رافقها الصوت العذب والحزين للفنان الجزائري الشاب خالد وهو يقول ‘هجرت بلادي…وتتركت وحدي كيف البراني..’، هذا دون أن ننسى مشاهد أخرى داخلية وخارجية انتصر فيها هؤلاء الأبطال لكرامتهم وحريتهم أمام صلف قياداتهم العسكرية وتمييز الجنود الفرنسيين عنهم، سواء في أبسط الأمور كنوعية الأكل مثلا، أو في أعقدها كالارتقاء في الرتب العسكرية.
في كلمة..
لقد أثار فيلم’السكان الأصليون’ عند عرضه جدلا كبيرا في فرنسا وتحفظ قواها اليمينية، لجرأته الكبيرة في تناول قضية انسانية من تاريخنا المعاصر، تتعلق بمساهمة الجنود المغاربة والأفارقة في حرب التحرير الفرنسية ضد النازية وتضحياتهم التي قدموها لأجل فرنسا التي لم تعترف ببطولاتهم وتضحياتهم وتنكرت لهم، ولولا هذا الفيلم الذي أثار قضية المحاربين القدامى لدى الحكومة الفرنسية التي يرأسها شيراك آنذاك لما أمر بصرف تعويضات لهم وإن تم الالتفاف عليها فيما بعد.
لقد كان حلم أبطال الفيلم المغاربة من مشاركتهم في تلك الحرب هو جني المال والكرامة ورفعة المقام الا انهم لم يحصدوا منها غير التمييز والتجاهل والموت دون حتى اعتراف بما قدموه من بطولات لأجل فرنسا التي كانو يعتبرونها كأمهم آنذاك، وحتى اللحظات السعيدة التي غنموها في غفلة من الحرب والمعارك سرعان ما تبخرت ولم يبق إلا الألم والانكسار ولعنة النكران والنسيان.
*صحافي تونسي مقيم بالدوحة

فيلم "عيد ميلاد ليلى" بين إيحاءات الصورة و"غيرية" التأريخ..

السبت 2 أيار (مايو) 2009
بدر السلام الطرابلسي - موقع الأوان

قــاض فلسطينيّ يعود من إحدى البلدان العربية، وقد عمل فيها لمدة عشر سنوات، لشغل منصبه في مؤسّسة العدل الفلسطينية المقامة تحت الاحتلال، إلا أنه يفاجأ ببيروقراطية الإدارة الفلسطينية وتأجيل تعيينه، مما يضطره للعمل كسائق سيّارة أجرة، وفي يوم عيد ميلاد ابنته ليلى تعترضه عديد المواقف والعراقيل، إلا أنّه يعود آخر النهار بالطرطة والهديّة لابنته الوحيدة..
هذه هي الفكرة الرئيسية التي انبنى عليها فيلم "عيد ميلاد ليلى" للمخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي، وكما تجسّدت أيضا في نسق السرد السمعبصري لهذا العمل السينمائي..
وللوهلة الأولى، والتي غالبا ما تأتي أحكامها انطباعية خالية من كلّ عمق، نجد بين أيدينا فيلما روائيا تسجيليا يتناول إشكالا بسيطا لمواطن فلسطينيّ لم يتحصّل على وظيفته بعد، بسبب البيروقراطية الغالبة، لا على الإدارة الفلسطينية فحسب، بل على الإدارات العربية قاطبة، خاصة وأن المجتمع الفلسطيني مثقل بقضايا أكبر؛ من قبيل الاحتلال الإسرائيلي، وتواصل الاستيطان، والترنسفير، والجدار العازل، والاقتتال الداخلي، وغيرها من القضايا التي تقزّم شكلا قضية هذا المواطن الفلسطيني العائد إلى أرضه المحتلة.. أو حتى هاجس عودته إلى بيته في المساء للاحتفال بعيد ميلاد ابنته ليلى بلا مشاكل أو معرقلات..
إلا أنّ الأحداث التي واكبت أحد أيام عمله الوقتيّ كسائق تاكسي، تلقي بظلال مكثّفة على واقع "السلطة" الفلسطيني الحالية، والاحتلال، والمجتمع ككلّ..
فرغم تحصّله على وثيقة تعيين كقاضي لدى وزارة العدل الفلسطينية ممضاة من الزعيم عرفات قبل استشهاده، إلا أنه يقابل بالتسويف كلما اتّجه إلى الوزارة من أجل المطالبة بتنفيذ قرار التعيين، هذا إضافة إلى تواتر العديد من المسؤولين على الوزارة كلّما حوّرت السلطة، ممّا جعل تكراره لمحاولة الالتحاق بصفّ القضاء في بلده المحتلّ ضربا من العبثية في مستوياتها الدنيا، خاصة وأنها مسألة إجرائية لا تتطلب الكثير من الانشغال ورصد إمكانيات السلطة الفلسطينية، مما يطرح استفهامات حول الشفافية والانضباط في التعامل مع ملفّات المواطنين..
كما يثير الفيلم من خلال هذه الحادثة وعبر ملفّات أخرى، ظاهرة الفساد الذي ينخر أجهزة السلطة الفلسطينية الرسمية، إضافة إلى الفوضى التي تتحكّم بالشارع الشعبي الفلسطيني.
الفوضى لا تنتهي عند هذا المستوى، إذ تعكس بشكل جليّ شخوص هذا العمل السينمائي الثانوية، التي تتحرك في مربع الاحتلال بحثا عن منفذ تحقّق من خلاله أحلامها الشخصية البسيطة، التي لا تتجاوز معنى العيش في حدوده الاصطلاحية، بحثا عن البقاء في حلبة الصراع الأزلية بعد أن فارقها معنى الحياة الحقيقيّ، والتهمها اليومي الشاقّ الذي فرضه عليها الاحتلال الإسرائيلي المريض بعقدة الهولكوست والمحتشدات..
فالكل يتحرك في إطار شديد الإغلاق محكم القيود، حشرهم فيه مخرج الفيلم حيث غايتهم فيه بسيطة ومسرّاتهم محدودة وطموحهم أن يروا نور اليوم الموالي، موظفين في ذلك طاقاتهم وتذاكيهم أحيانا من أجل الاستمرار في استنشاق الأكسجين الكفاف، مثل تلك المرأة التي نقلها بطل الفيلم أبو ليلى(محمد بكري) بالتاكسي، وحينما رأت طابورا لتوزيع الإعانات نزلت من السيارة متسائلة عن هوية الجهة السياسية أو المذهبية التي توزع المساعدات، حتى تعرّف نفسها على أنّها من ضمنها، ومن ثمّة تنال مبتغاها..!
وقد شبّه أحد النقاد صورة شخوص الفيلم في غليانها اليومي من أجل الرغيف والأمن، بــ"أسماك مختلفة الألوان والأحجام والأشكال تتحرّك بعبثية ولا جدوى داخل حوض زجاجيّ محدود المساحة والحرية، مستعيضين عن الآمال الكبيرة، بأحلام شخصية متواضعة وأفراح صغيرة، وعن الطموح الإنساني والرغبة بالابتكار والتفوق، بمحاولة التحايل على العقبات والالتفاف على المشاكل، والعيش في حياة محاصرة.."
السردية السمعبصرية ودلالات الصور واللغة الفيلمية..
خلافا لفيلمه الأوّل "حتى إشعار آخر" الذي تدور أحداثه داخل منزل بغزّة أثناء الحصار وحظر التجوال، فإنّ أحداث فيلم "عيد ميلاد ليلى" تدور في أماكن متعدّدة من رام الله مقرّ السلطة الفلسطينية، حيث شهدت تناقضات شتّى في تسييرها وحرّكات متنوّعة لسكّانها(شخوص الفيلم) ودور فرادة، طبعا، لشخصية الفيلم الرئيسية أبو ليلى..
ولكن دعنا نتدرّج منطقيا في البداية لرسم الصورة الشمولية التي أراد منّا المخرج استيعابها، ثم يمكن لنا بعد ذلك فكّ علاماتها ورموزها ومعانيها المستترة..
يبدأ الفيلم بمشهد داخلي/ ليل وقع تصويره في غرفة النوم، حيث يرقد بطل الفيلم مع زوجته ليلى. الغرفة تغشّيها حلكة الظلام. ثم يأتي المشهد الثاني خارجي/نهار حيث ينطلق أبو ليلى(محمد بكري) صباحا لمدينة رام الله. المدينة يسكنها الضوء، وينعكس بغزارة على عمرانها وطرقاتها. المشهد الأخير داخلي/ ليل، وقع تصويره في الغرفة ذاتها التي بدأ منها الفيلم..
تحدّد المشاهد الرئيسية التي سبق أن تناولناها بداية الفيلم ووسطه ونهايته، بمعنى أنها تحدّد بنية السيناريو والحكاية المشخصنة، والتي جاءت في قالب دائري مكثّف بالرموز والدلالات. فالبداية تكون من غرفة النوم الحالكة، ثمّ نور النهار، لتعود الحكاية إلى غرفة الاستقبال المحتفل فيها بعيد ميلاد ليلى؛ حيث النور الخافت والشمعة اليتيمة فوق الكعكة..
فالنّسق الدائري للمشاهد والأحداث التي تأتي بين عتمتين دليل كاف على نفاذ البعد الإيحائي المستجلى من الرواية الفيلمغرافيه التي يسردها علينا مخرج الفيلم بالصوت والصورة..
كما أنّ "حدوثة" الفيلم، إن تلاءمت التسمية، والتي بنيت عليها مشهديته ولقطاته ومختلف أطوار إطاره الزماني والمكاني، وغير ذلك من البنى الفنية السينمائية، لها ارتباط وثيق بل وتلازمي مع عنوان الشريط"عيد ميلاد ليلى" الذي يمكن اعتباره محور الفكرة والأداء اللذين يقوم عليهما الفيلم، كما أن ربط صياغته اللغوية والتركيبية بالقضية الرئيسية للشريط يدخلنا في عمق دلالاته النصية وأبعاد استتباعات تمثلاته الحضارية، فالبطل " أبو ليلى " ينطلق منذ الصباح إلى شغله آخذا في الآن ذاته بعين الاعتبار العودة في مساء اليوم ذاته قبل بدء الاحتفال بعيد ميلاد ابنته ليلى، وأخذ العودة في الوقت المحدد بعين الاعتبار معناه تلافي مختلف العراقيل والصعوبات التي يمكن أن تعترضه في يومه ذاك حتى يتمّ الأمر، فامتنع مثلا عن نقل الركّاب للحواجز الإسرائيلية خشية أن يحتجز هنالك ولا يعود لبيته في الوقت، كما رفض نقل أحد المسلحين بالزي المدني رغم أنّ ذلك يدخل في مبدئيته وموقفه من انتشار المسلّحين في الشوارع، في إحالة واضحة على فوضى انتشار الأسلحة ليس بين مختلف الفصائل الفلسطينية فقط، بل حتى عند شباب المدارس الذين خصص لهم جزءا من خطابه الذي ألقاه في محطة البنزين حينما تطيّر من الفوضى العارمة التي تحكم المعيش اليومي للمواطن الفلسطيني، هذا إضافة لما يفرضه عليهم الاحتلال من إغلاق لجميع منافذ التنقل بحرية، مما يجعلهم يعيشون في كانتونات مقطّعة الأوصال بالحواجز والمستوطنات والجدار العازل، وجغرافية ضيقة بضيق السماء التي احتلتها الطائرات الإسرائيلية المحلقة في فضاء المدينة، هذا الاحتلال الذي لا نراه مباشرة في أحيان كثيرة ولقطات متعددة من الفيلم، ولكننا نحسّ بثقله في كلّ تفاصيل حياة الفلسطينيين اليومية..
أمّا الحوار الموظّف في السيناريو، فهو قليل غير أنّ لغته مليئة بالدلالات، محترمة في ذلك مبدأ تعدّد الأصوات في الحكاية، وعدم هيمنته على الصورة وعلى كيفية أدائه، كما تتخلّله في بعض الأحيان كوميديا سوداء ذات مغزى وجودي سريالي رغم واقعيتها التسجيلية، نلمسها مثلا في شخصية المرأة الحائرة بين الذهاب إلى مستشفى المدينة أو المقبرة بحيث أنها ترى أن لا فرق بينهما، فيذكرها أبو ليلى بالعادة المتبعة في هذا المقام، والتي تقتضي الذهاب إلى المستشفى أوّلا قبل التوجّه إلى المقابر، فتقول له المرأة إن زيارة المقابر لزوجها المقيم هناك، أما المستشفى فهي لها لأنها مريضة بالقلب، ولا تجد فرقا بين الذهاب إلى أيّ من المكانين أوّلا، فهما في نظرها "يؤدّيان إلى بعضهما البعض..! "
ورغم توافق الحوار والأصوات مع الشخصيات ووضعها الاعتباري في "حدوثة" الفيلم، إلا أنه يقع في المباشرتية في بعض الأحيان. من ذلك ما قاله المذيع في راديو السيارة وهو يتلو نشرة الأخبار، حيث وصف كيف شجبت الدول العربية، وأدانت، واستنكرت، وانتقدت، ولامت، ووبخت.. دلالة على العجز العربي عن الفعل في مواجهة إسرائيل، ولو أن هذه المباشرتية اعتبرها بعض النقاد توظيفا مقصودا من المخرج للمبالغات اللفظية، إمعانا في السخرية من الوضع الفلسطيني والعربي بشكل عام..
ويقول مخرج الفيلم رشاد مشهراوي في هذا المعنى "حاولت وصف الفوضى المهيمنة حاليا على حياة الفلسطينيين، بعد أكثر من نصف قرن من الاحتلال الإسرائيلي، فبعد المقاومة من أجل التحرير، والمفاوضة من أجل السلام، وانتظار تطورات في هذا المجال، كانت النتيجة حرمانا وتجاهلا وعجزا عن الانشغال حتى بقضايانا لحياتنا اليومية ولم نتقدم إلا إلى الوراء" 
"كما أن هنالك العديد من المشاكل والقضايا الصغيرة التي ينسجها السيناريو حسب تقنيات السخرية السوداء عبر كثير من اللقطات تصل، في بعض الأحيان، إلى شكل من أشكال "الاستطرادات المسرحية المباشرة "، ويبرز ذلك على وجه الخصوص في المونولوج الذي يستغرق فيه سائق العربة التي يجرّها حمار، وحديث الرجل عن الحمار كيف أصبح يفهم ويعقل، ربما أكثر من الجميع .!

ونلاحظ أنّ الحبكة الدرامية للسيناريو تفتقر أو لنقل تضعف فيها بعض العناصر على مستوى الخط التصاعدي للحكاية، وذلك في نقاط عدة نذكر منها الصعوبات والتجارب التي تمرّ بها الشخصية الرئيسية في الفيلم، والتحولات والصراعات والعقدة الدرامية التي ستنقلنا فيما بعد إلى لحظة المكاشفة والانفراج والنهاية سواء أكانت سعيدة أو حزينة..
ولعل الاختلافات التقنية التي يفرضها السيناريو كجنس فني متقدم على النص الروائي وتطوره من الشكل الثنائي (المقروء/المتخيل) في الرواية الأدبية إلى شكله الثلاثي (المرئي/المسموع/المتحرك) وتمثلاته المختلفة في المدارس المعاصرة، والمقترنة أساس بالعلامة السمعبصرية تجعل منه حسب رولان بارت "نسقا متعدّد العلامات، وكثيفا في تصديرها، كما أنه يوظف العلامات على أساس قاعدة (الرسالة) التي تنقل إلى الآخر (المتلقي) فهي رسالة رمزية وضمنية أيضا..."
ويأتي هذا التقييم التمايزي للبناء النظري لسيناريو الفيلم وتطوره عن النص الروائي الأدبي بعنصره الأخير المؤصل لحركة الأشياء داخل إطار الصورة، بناء على المحرار الكلاسيكي للسيناريو، الذي يشترط إلى جانب البناءات الفنية المحددة والمرحلية ذات النسق التصاعدي والحمالة لشيفرات سيناريوهاتية معبّرة، نجده يرتكز على بناء درامي ذي نسق تصاعدي وتفاعلي بين مختلف مكوناته التي لا تقف عند الإطار العام والتقديم المدخلي للأشياء. ولا تنتهي عند العقدة الدرامية والصراعات الداخلية والخارجية لشخوص عمله الفني، إلا أن بعض المتابعين لسينما رشيد مشهراوي يدلون بآراء أخرى في خصوص البناء الدرامي والنصي لفيلم عيد ميلاد ليلى، على اعتبار أن هذا الشريط ينتمي للمدرسة السينمائية الواقعية الجديدة، ولا يحتفي بالتفاصيل الدرامية المباشرة والكلاسيكية، بقدر ما يركز على الجانب التسجيلي للمجتمع الفلسطيني في واقعه الذي يعيش فوضى بيروقراطية السلطة الفلسطينية وسطوة الاحتلال وتغير المنظومة القيمية للبشر، مما حدا بالبعض إلى اعتباره تقريرا بلاغيا لما يمكن أن نطلق عليه "الحالة الفلسطينية " من الداخل (فوضى الحياة، غياب القانون، الصراعات بين الأجنحة والجماعات المسلحة، الشباب الذي لا يعرف إلى أين يسير، الحصار الاقتصادي الخانق، وتدهور الخدمات، والاغتراب الذي لا علاقة له بالبحث عن معنى الوجود بل بالرغبة في إنهاء الوجود كما نرى في حالة الشاب الذي يعترض على أبو ليلى لأنه أخفق في صدمه بسيارته وقتله).
هذه النزعة نحو التجريب في السينما الروائية الطويلة هي ولا شك غيرية جديدة في السينما الفلسطينية الجديدة لا تتأسس على مجرد الاجتهاد التقني للبناء السينمتغرافي أو التقطيع السمعبصري للفيلم فقط بل تتجاوزه لنوعية الأحداث والشخصيات وأبعادها الوجودية..
هذه الغيرية في فيلم عيد ميلاد ليلى عبّر عنها الناقد السينمائي عدنان مدانات بقوله "أخيرا نشأت سينما فلسطينية روائية طويلة، بدأت بوادرها من فيلم صنع في لبنان عام 1982 عن رواية غسان كنفاني (عائد من حيفا)، ولكن فيلم (عيد ميلاد ليلى) لرشيد مشهراوي، ومحمد بكري يختلف..!"
للتاريخ لغته كما للسينما لغتها التأريخية..
عند قراءتنا للشريط السينمائي عيد ميلاد ليلى من زاوية تاريخية توجب علينا في البداية أن نقيم تمايزا ايبستمولوجيا بين المقاربات المختلفة لتأصيلية المجتمع الفلسطيني عبر مراحل التاريخ المتوثبة حينا والمتنافرة أحيانا من داخل أركيولجيا صراع الوجود والعدم...
فنجد مثلا أن دراسة دولة الاحتلال، لماهية الصراع التاريخي مع الفلسطينيين، التبريرية والوظيفية وأنها صاحبة الحق التاريخي، تختلف عن مقاربة الفلسطينيين للصراع والاحتلال. ودراستهم له وإن وجدت خلافات في داخل هذه القراءة حسب المواقع ومخابر التاريخ والجهة المشرفة عليها والتي تتعدد حسب المؤسسة الموجهة سواء أكانت في السلطة أو في المقاومة والمعارضة ولكنها تتفق في أنها ضحية للاحتلال والأبرتيد والهولوكست الجديد، بمعنى آخر ضحية لجلاد كان ضحية لما يمارسه من جرائم حاليا، وتحول إلى نازيّ جديد ضد الفلسطيني صاحب الأرض والتاريخ..
ونجد كذلك المقاربة السينماتغرافية الواقعية "المينارفية" التي تأتي متأخرة، بالمعنى الايجابي للكلمة، نلمسها من خلال قراءة مشهراوي للتاريخ من خلال أفلامه التسجيلية وفلمه "عيد ميلاد ليلى على وجه الخصوص". حيث نجده يسجّل الأحداث ويؤرخ لمرحلة من خلال سيكولوجيا الفلسطيني البسيط ومنطوقه اليومي بما هو انعكاس لمراكمات ثقافية وسياسية فوقية ونتاج لفصول من الصراع من أجل البقاء والاستمرارية برغم الخطوب والإجرام المنظم والفوضوي والبيروقراطية والفساد والتواكل...
يقول المفكر الاقتصادي كارل ماركس "إن جذر الإنسان هو الإنسان.." ومن خلال هذه المعنى الفلسفي يمكن القول أن من يسود ويهيمن يفرض منطقه الخاص في كيفية التعامل مع الأشياء، بل وينتج أنواع من السلوك والتخاطب تصل حد الغرابة بمعناها المباشر والبسيط..
فالدعاية البيضاء لسلطة فاسدة وبيروقراطية تماطل وتؤجل النظر لطلبات المواطنين كما حدث مع أبو ليلى بطل الفيلم ستنعكس بالضرورة على مناهج تعليمها وصحتها وخدماتها الاجتماعية، ولن يكون منتوجها البشري بقادر على التغيير ولا هي قادرة على التوازن والتوثب إلى الأمام..
إن فوضى السياسة والعلاقات الاجتماعية، وتداخل الأدوار الوظيفية للميليشيات العسكرية وفصائل المقاومة، وسفور الاحتلال النهائي بابتلاعه للجغرافيا والمدنية والثقافة، ومخططاته لقبر الهوية فيما يشبه الثقب الأسود إلى ما لانهاية، وجدت تعبيراتها في اليومي الفلسطيني حيث خلقت حالة من المكابدة السيزيفية من أجل التجاوز والانتصار وحالة أخرى من التقبل والتعايش السلبي بشروط الآخر..
لقد حاولت سينما مشهراوي أن ترصد مختلف هذه الأنماط العبثية وتدمجها في قالب فني فريد، بعيدا عن التهافت والشوفينية والالتزام المباشر بالقضية الذي يحول الشريط السينمائي إلى مجرد نشرة أخبار روتينية تصور مشاهد القتل والدمار والدم، وتكرر نفسها في كل عمل دون الغوص في أعماق اليومي الفلسطيني حيث الحياة تأخذ منحى آخر والضحية يكرر جلاده في مستويات خصوصية من الصراع..
هو منهج آخر في التأريخ لمعاناة شعب يقبع تحت الاحتلال منذ ما يزيد عن ستة عقود بوسائل فنية واستيتقية دون الانحياز لأية مؤسسة سياسية كانت أو عسكرية إلا لقضية شعبه وضميره الإبداعي الذي لم يعرف لوثة السياسة وحسابات أصحاب القرار والفاعلين السياسيين وفي هذا الاتجاه يقول مخرج الفلم "إني لا أكرر الصورة الفلسطينية المطروحة بشكل عام، و السؤال هو: كيف أبرز فلسطين كما هي، وبلا تجميل لها، والمقولات السياسية أحببت أن أقولها بشكل بسيط جدا، وأن أقدم في الوقت نفسه بعض الأمل بإلقاء الضوء على العناصر الايجابية التي تبشر بمستقبل أفضل وان أعطي الجمهور فرصة أن يشعر كيف نجح الاحتلال في شقنا إيديولوجيا وجغرافيا في هذه الحقبة من حياتنا’’.

حينما تتحول " المسخرة" إلى موسيقى الأضواء.. والنص إلى علامات ورموز


بدر السلام الطرابلسي - موقع الأوان

لعلنا لا نبالغ، عند الحديث النقدي عن فيلم "مسخرة" للمخرج الجزائري الياس سالم، حينما نستنجد بالجهاز المفاهيمي النقدي الفرويدي أو الكولدماني بما لكل منهما من مسافة تماس أو ابتعاد عن المعيش الاعتيادي لشخوص هذا العمل الكوميدي..وللاستئوال الغريزي ( البسيط والساذج) المستجلى من السيكولوجيا الاعتيادية لأبطال الفيلم حينما نضع لقطاته ومشاهده داخل النص، طبعا من وجهة النظر التناصية، أو كذلك حينما تجرد علامات لغته الفيلمية أو السيناريوهاتية من غموضها المقيد أسفل طبقات الغريزة شيئا فشيئا للتجلى بعض من معاني
الأحجية البسيطة عند العامة والمركبة عند أهل الاختصاص مما يستوجب رؤيوية تجريبية سابقة ومنهج سيميولوجي مقنع حتى يتم تفكيكها وقراءتها من الداخل..
كما لا نبالغ كثيرا، في السياق ذاته، إذا تحدثنا عن البعد الثقافي والفلسفي للفيلم الجزائري قيد القراءة..فالاستدماج المذهل لعديد المكونات الثقافية من سرد وشعر وفن وموسيقى وصور وأضواء..في هذا العمل السينمائي والتي نلمسها في رحلات الليل والنهار بين القرية والمدينة..أو في الزمن النفسي المرتهن في بعض الأحيان بالسعادة وفي بعضها الآخر بالألم..وفي كل الأماكن التي حولها المخرج اليأس سالم إلى ساحات..الكل يرقص فيها على إيقاعات الطبول الإفريقية عند بوابات الماضي المتواصل..والكل فيها مادة لفن تشكيلي يبحث عن المعنى في ظل الفوضى العارمة غير الخلاقة..ولكنها ولادة لأنماط جديدة من الحياة والتعامل بين الأفراد لن تكون فيه المرأة سلعة أو "شجرة للذة" وإنما مشاركة ومبادرة في اتخاذ القرار وتدبير المصير مع أو عنوة على الرجل وهو ما لمسناه في موقف زوجة منير الرافضة لزواج أخته ريم (سارة الرقيق) بالأجنبي "فانكوتين" أو ثورة "ريم"(سارة الرقيق) شقيقة منير(الياس سالم) آخر الفيلم وزواجها في غياب عائلتها وهربها مع عشيقها خليفة (محمد بوشعيب)...كما لتدخل المرأة في أدق التفاصيل اليومية وقع صادم يسقط السينما المغاربية بصفة عامة في سكيزوفرينيا جديدة ذات ازدواجيات خطابية اجتماعية ونفسية جديرة بالاهتمام...فالمرأة المستعبدة كما في فيلم "عرائس الطين" للنوري بوزيد حيث تباع وتشترى في سوق النخاسة لخدمة العائلات الثرية نجدها في "مسخرة" متحررة بشكل كبير من سطوة الرجل..والمرأة ذات البعد الواحد (البعد الجنسي التجاري) في فيلم فريد بو غدير "عصفور سطح" ليست هي ذاتها في الفيلم قيد التحليل على اعتبار مبدئيتها وقوة شخصيتها ومواقفها العائلية والاجتماعية المتقدمة..
رحلة البحث عن البعد الثقافي الاجتماعي في هذا الفيلم لا تكتمل في غياب البعد الفلسفي المكمل..ومن ثمة ضرورة قراءة الفلسفي المطوع فنيا تأتي من ضرورة قراءة الفني من زاوية رؤيته التبشيرية لعالم آخر بحيث "ينوب مناب أو يتعاضد مع المجالات الفكرية في النقد والتصحيح والتفسير والشرح والتأويل للظواهر الاجتماعية".
وهكذا يحاول المخرج الياس سالم إنتاج التراكيب المعرفية السينمائية لكن ضمن تصور يعنى بالكشف عن رؤية العالم داخل منجزه السينماتوغرافي الذي يتخذ من المعطى الفكري مساحة لاشتغالاته لإخصاب وعي الجماهير وإخراجها عن التورط بالسفاهات التي تعمل الكثير من مراكز الإنتاج على ترويجها..
فالكلمات المستعملة في السيناريو لها دلالات عميقة ومحملة بالمعاني والرموز اللغوية أكثر بكثير مما نتصوره..أو ما يخيل لنا اننا نفهمه منها للوهلة الأولى.. فكلمة "مسخرة" مثلا التي عنون بها المخرج الياس سالم فيلمه لم تكن اعتباطية البتة بل إن اختيارها مدروس بدقة وهو ما أكده المخرج ذاته كلما طرح هذا الإشكال مبينا أن "المسألة تتعلق ببساطة باسم المدينة التي كان يُفترض أن نصور فيها الفيلم وهي مدينة «معسكرة» وهي باللغة الفرنسية تُحيل صوتيا على كلمة مسخرة (MASCARADES) وكنا سننجز الفيلم في تلك المدينة الواقعة غرب الجزائر العاصمة ويتميز سكانها بالنكتة والنوادر والطرائف.."
ولعل هذه التسمية تعكس بحق القالب الكوميدي الذي اختاره لفيلمه، فالسينما الجزائرية لم تنتج في أغلبها إلا الأعمال الدرامية كانعكاس لواقع مليء بالتناقضات والقضايا الكبرى (الفقر والبطالة والإرهاب والحرب الأهلية والحرقة..) وسواء أكان ذلك في بدايات ظهورها في الخمسينات مع أفلام جمال شندرلي، بيار كليمون، محمد لخضر حامينا، أحمد راشدي من خلال (الجزائر تحترق) L\’Algerie en flammes (بنادق الحرية)Les fusils de la liberté (جزائرنا)Djazairouna (صوت الشعب)La voix du peuple وهي الأعمال التي ميزت البدايات الأولى للسينما الجزائرية، أو في فترة الستينات المعروفة بالثورة الزراعية والبناء الوطني وبرزت خلالها السينما الملتزمة ونذكر من بينها (المغتصبون)Les spoliateurs (المستأصلون)Les déracinés للأمين مرباح، نوة Noua لعبد العزيز طولبي و(الفحام)Le charbonnier لمحمد بوعماري.
سنوات التسعينات برزت فيها ثلاثة أفلام أمازيغية الهوية وهي (الهضبة المنسية)La colline oubliée لعبد الرحمان بوقرموح والفلم مأخوذ من رواية مولود معمري، و(مشاهو) Machaho لإبراهيم حجاج، (جبل باية)La Montagne de Baya لعز الدين مدور...
إذا، فالنمط الدرامي ليس الوحيد، حتى وان فرضه الواقع الجزائري، إلا أنه ليس الوجه الوحيد للسينما الجزائرية وهو ما حاول أن يثبته الياس سالم من خلال هذا الفيلم وتوجهاته السينمائية عموما، كما أن "القالب الكوميدي أو الهزلي لا يبعدنا عن جوهر الجزائر وتفاصيلها بل هو شكل مختلف ومحملٌ ومغاير، أقل مباشراتية.." فالكوميديا "معبرٌ جاد لسبر أغوار الواقع بلغة أخرى، واختيارنا للكوميديا لا يعني أبدا ابتعادنا عن قضايا الجزائر وعمق واقعها" (الياس بن سالم).
وللهجة المحلية التي كتب بها السيناريو ونطقت بها الشخصيات عند تخاطبها أهمية خاصة وتوظيفات عدة..فهي وسيلة التواصل بامتياز بين مختلف المكونات الجزائرية..بطاقة هوية..جواز سفر بين الاثنيات المحلية...إذ لا يوجد عرب فقط في الجزائر، بل هناك أيضا البربر والأمازيغ والتوارق والشاوية والمزاب..
كما عبرت اللهجة المتكلم بها عن العمق الإنساني للشخصيات المتمحور حولها الفيلم من خلال كوميديا هادئة استجلت فنتازيا المواطن الجزائري البسيط الملقى على عتبات الحضارة والباحث عن تحقيق الكيان بتوفير شروط العيش البسيط..غير مبالي لا بالحياة ولا بمعانيها الوجودية الخافية..
هكذا إذا أراد المخرج أن يضع شيفرات خاصة على فيلمه..بعيد عن النستالجيا لسينما الثورة والالتزام المجرد..حيث خط دربه بسينما جديدة..هزلية في ظاهرها..بسيطة في لغتها..عميقة في معانيها ومدلولاتها الرمزية..محملة بالسواد والتراجيديا بقدر تحميلها للهزل والكوميديا..وهنا يحضرنا المشهد الذي يبرز فيه بطل الفيلم "منير" داخل الحديقة المنزلية للكولونيل الذي يعمل عنده، ففي لحظات معدودات لاحظنا السعادة في محياه وعمق الألم في عينه بعد دخوله لإحدى سيارات مؤجره ومخاطبة عائلته (الزوجة والأخت والابن) وكأنهم يجلسون بجانبه في السيارة الفارهة..لكن الصمت العائم داخل السيارة و سلبية المكان أيقظته من أحلام اليقظة لتلبسه قناع الألم.. وحسرة من لا يملك شيئا من وسائل الرفاه و العيش الكريم..
الصورة كانت مؤثرة ولا شك..وكم اختزلت الصورة من معاني وكلمات ومواقف..خاصة وان الياس سالم اشتغل عليها جيدا في فيلمه الأخير..على اعتبار أن الصورة تجسدا خطابا اتصاليا شموليا في حد ذاته..يخضع للتأويل السمعي البصري..ولنا أن نتلمس هيكل الخطاب السينمائي الممرر في هذا الفيلم من خلال تلمس طبقات الصورة وطبقات المكان والبناء الزماني كما سبق وأن أشرنا إليه في حديثنا عن الزمن النفسي وعن الأماكن وإيحاءاتهما على شخصيات الفيلم والعكس..
كما أن قراءة هذه الصورة منهجيا وتحليليا والتوسع فيها تحيلنا على رسائل عدة احتملتها في طياتها..من ذلك الفقر المستشري في الجزائر إلى ألان وبعد قرابة النصف قرن من الاستقلال..المحاباة لأصحاب النفوذ والجاه..تواصل رواسب التابوهات القديمة المحددة لعلاقة الرجل بالمرأة عند المجتمع الجزائري (المجتمع الذكوري) ولو أن المخرج حاول أن يغير من هذه الصورة بالباسه بطل الفيلم "منير" الكثير من الانفتاح والتفهم..الخ
استنتاجات عامة..
 سينما الياس سالم، بالإضافة لاشتغالها بأدوات تقنية وأيقونية خاصة بها، فقد اشتغلت من خلال نسق فني مرن يتغذى على مجموعة من المعارف والمفاهيم الأخرى كالسوسيولوجيا وعلم الخطاب والسيميولوجيا والبسيكولوجيا وعلى الكثير من الأساليب الفنية والأدبية التي سبق أن أشرنا إليها أو تناولناها في سياق التقديم التحليلي للظاهرة السينمائية بشكل عام..
 اهتمام مخرج فيلم "مسخرة" بأدق التفاصيل الفيلمية وتركيزه على الإلمام بشتى الجوانب التقنية والفنية(اللغة الفيلمية، التركيب، اللقطات، الإضاءة، الكوريغرافيا، الصورة..) جعله ينجح في ترويج فيلمه على صعيد عالمي ويحصد الجوائز العديدة و لا يسقط في أخطاء السينما المغاربية والعربية الكلاسيكية التي أخلت، في جانب هام منها، بهذه العناصر المرئية أو المسموعة مما حولها، حسب ملاحظة العديد من النقاد، إما إلى تجريد وتجريب تقني، أو إلى قصة خالية من كل تشويق أو خيال.
 تبقى بطبيعة الحال مسألة الخصوصيات في التعامل مثلا مع الإنارة أو الكادراج أو المونتاج مرتبطة بالثقافة والرغبة في التجريب عند الياس سالم، لكن العمود الفقري للفيلم تحكمه ضوابط تقنية وفنية و ثقافية لا محيص عنها..
 يقول عالم الاجتماع بيير بورديو " إن موضوع السوسيولوجيا هو فضح التزييف والغموض الذي يراه الكل في مؤسسات المجتمع" لكننا في هذا المقام نجد أن السينما، كمؤسسة اجتماعية، تقوم في موضوعها بفضح التزييف و الغموض والتناقضات الاجتماعية ففيلم "مسخرة" تناول صفحات من المعيش البائس للجزائريين في القرى البعيدة والفقر المستشري فيها، كما قام بتعرية الإشارات والرموز والأنساق الدلالية التي تتحكم في سيكولوجيا الجزائري ومنطوقه منذ أزمان بعيدة بلا تغيير يذكر..كما طرح مخرج الفيلم الياس سالم تساؤلات جوهرية لعل أهمها هو " كيف أكون جزائريا مع ذاتي وواقعي وكيف أتأقلم مع الآخر وحضارته ومدنيته..؟".

«لا تقتل».. لا تكن حبيس «مزرعة الحيوان»: بشاعة القتل العبثي لا تبرر اعدام الدولة لمواطنيها

  بدر السلام الطرابلسي٭
صحيفة القدس العربي 
يعـد فيلم «لا تقتـل» point tueras ne tu لصاحبه اخملرج البولندي كريسـتوف كيسلوفسكي Kieslowski Krzysztof الـذي أعـده ضمن سلسـلة الوصايا العشـر للتلفزيون البولوني بين سـنتي 1987 و1989 إرثا سينماتوغرافيا عالميا لا يمكن المرور عليه بسـلام آمنـين فزخم الرؤى النقدية التي تتخللـه جملتمعه وقوانينه وخاصة تلك المتعلقة بعقوبـة الإعدام أو تهويماته العبثيـة المتعلقة بالقدر والصدف «العمياء» والتقاطعـات التقنية/التناصية ذات الصبغـة الميتافيزيقيـة الأرثوذكسـية الموزعـة علـى تفاصيـل عديـدة داخـل الفلـم كمـا عودنـا بها كيسلوفسـكي في أفلام الوصايا – Décalogue وبانسـجام شـبه مثالـي مـع شـريكه فـي حياكـة سـيناريوهات أفلامـه الكاتـب السـينماتغرافي البولندي بيزيفتش . تحكي فكرة الفيلم عن شاب في العشرين من عمره يتسـكع في شوارع فرسـوفيا Varsovie لوحده ثم تجـده يبحـث عن سـيارة تاكسـي لتقلـه لإحدى الضواحي وإذ به يقدم، بعد ركوبه سـيارة التاكسي بفتـرة مـن الزمن، علـى عملية قتل سـائق التاكسـي بدم بارد خنقـا ثم ينهي جريمته بإرداء ضحيته ميتا بصخرة وجدها على الطريق. وبعـد أن تم إيقافـه ومحاكمتـه تصـدر المحكمـة قرارها بإعدامه شـنقا، ورغم محـاولات المحامي بيتر Peter لتخفيف الحكم إلا أن قرار المحكمة يصبح نافـذا وتطبـق عقوبة الإعدام في حق المتهم ياتسـيك Jacek بــ«نظافة». أحجيـة فيلـم «لا تقتـل» يمكـن رصدها مـن خلال زاويتين تتوزعان على القسمين الأول والثاني للفيلم قيد القراءة. ففي الجزء الأول للفيلم تعترضنا جريمة قتل «غريبـة» في تصورها عبثية فـي دوافعها قدرية فـي حصولهـا وفي التقـاء شـخصياتها عليهـا حيث الصدفة القدرية هي محرار اخملرج كيسلوفسكي عند حياكته لأطوارها. فسائق التاكسي والشاب ياتسيك لا يعـرف أحدهمـا الآخـر مسـبقا ولا توجـد بينهمـا عـداوة أو أي دافع لارتكاب جريمة قتل وإنما الصدفة جمعتهمـا ليكـون سـائق التاكسـي النكرة بالنسـبة لياتسـيك هـو الضحية، وربمـا قدره أيضـا هو الذي دفعـه لأن يكون هو ضحية عملية القتل وليس غيره، هذا القـدر الذي كان بإمكانه تغييره منذ البداية. فلو أقـل مثلا الزوجـين اللذيـن انتظراه إلى حين غسـيل سيارته ولم يتركهما أو كذلك لو أنه قام بنقل الرجلين اللذين قصـداه على الطريق ولم يرفـض خدمتهما لما جاء بين يدي ياتسيك هذا القاتل/المريض. كمـا أن الصدفـة «العميـاء» Chance Blind (عنـوان أحـد أفلام اخملـرج كيسلوفسـكي) هي التي قـادت أيضا المحامي الشـاب بيتر المتخـرج حديثا من كليـة المحاماة لملاقـاة خطيبته في نفـس المقهى الذي جمعـه مـع موكلـه ياتسـيك دون أن يعـرف أحدهمـا الآخر وفـي اليوم ذاتـه الذي وقعت فيـه جريمة قتل سائق التاكسي الممثل يان تسرز Tsars Jan. وإذ تعبـر مصائر هؤلاء الأبطـال الثلاثة عن رابط قـوي يجمـع بينهـا ليدفعهـا معـا إلـى ذروة الحبكة الدراميـة أين تتعقد الأحداث وتنضج لتشـارف على نهاياتهـا الحتميـة كما صيغت فـي سـيناريو الفيلم. غيـر أن الحرفيـة العاليـة التـي كتب بها نـص الفيلم ليست نقطة القوة الوحيدة فيه إذ نجد كذلك الطقس الدرامـي الـذي وضعه اخملـرج في بعـض التفاصيل التقنيـة للفيلم والذي جاء على شـكل حركات عبثية وعنيفـة من ذلك مثلا الحجرة التي رمى بها ياتسـيك من فوق الجسر وسقطت على الإسفلت مسببة حادثا على الطريق السـريع أو القهوة التي قذفها على بلور المشـرب الذي جلس فيـه قبل الإقدام على جريمة القتـل أو كذلـك التحـرش الجسـدي بأحدهـم عندمـا دخـل للمبولـة العموميـة.. هـذا دون أن ننسـى القط المشـنوق الذي صادفه سائق التاكسـي قبـل ذهابـه للعمـل أو أيضـا الصراصير الميتـة في إحدى الغدران الراكدة الموجودة بالحي الذي يقطنه سائق التاكسي.. لقـد وظـف مخـرج وكاتـب فيلـم «لا تقتـل» هـذه الجزئيات السـينماتغرافية المشـحونة بالعبثيـة والعنـف (البـارد) اللامسـبوق كتمهيـدات لمـا سـيحدث فيمـا بعـد مـن قتـل مزدوج الأول يخـص الجريمة التي ارتكبها الشـاب ياتسـيك والتـي أردى فيهـا سـائق التاكسي ميتا والثانية عملية القتل بدم بارد التي ارتكبتها الدولـة البولنديـة عندمـا قامت بإعدام ياتسيك عقابا له على جريمته..! هـذا وتعتبـر عمليـة القتـل التـي أقـدم عليهـا ياتسـيك للوهلـة الأولـى حركة مجانيـة أقدم عليها ضـد مجهـول (سـائق التاكسـي) لا تربطـه بـه علاقـة مـن أي نـوع غير أن اعترافاتـه الأخيـرة لمحاميـه قبـل دقائـق مـن إعدامـه كشـفت لنا الكثير من الغموض في شخصيته والكثير من الحب والعذاب اللذين يملآنه بعد وفاة أخته الصغيـرة فـي حادث جرار قام بدهسـها وهي في الثانية عشـرة من العمر فـي الأحـواز الريفيـة التـي يقطنانهـا، وقـد أثـر فيه موت أختـه التي كان يحبهـا كثيرا ويفـرح بنجاحها وتعليمها أثر فيه كثيرا وجعله يمرض بفوبيا سائقي العربات مهما كانت أنواعها وأحجامها وهو ما رأيناه في الجزء الأول من الفيلم عندما قذف بحجارته على العربات المارة على الطريق السـيارة وبالطبع عندما أقـدم علـى عمليـة قتل سـائق التاكسـي.. لقـد دفعه مـوت أخته التراجيدي للإقدام على سـلوكات عبثية مشـابهة لتلك التي أقدم عليها بطل رواية البير كامي «الغريـب» lʼétranger : القيـام بأفعال لا دوافع منطقية لها إلا أسـباب صاحبها التي تعبر حقيقة عن قلق ذهني من وجوده داخل عالم لا يفهمه ولا يعترف به وبقوانينـه ويفضل مفارقته باكـرا وعلى طريقته الغريبة. عمليـة القتـل الثانية قامـت بها الدولـة البولندية ضـد ياتسـيك بدم بارد ونظـام و»نظافـة»، فإن تمت عملية القتل الأولى لسـائق التاكسي في سياق تحفه الفوضى والعبثية فإن عمليـة القتل الثانية التي قام بها جهاز الأمن البولندي ضد الشـاب اليافع ياتسيك (شـنقا) تمت تطبيقا للقانون وبترتيبات خاصة لمثل حكم الإعدام. مـن الواضـح أن مخـرج الفيلـم كريسـتوف كيسلوفسـكي من خلال عملية القتل الأولى والثانية أراد إيصال عدة رسـائل أهمها بشاعة القتل مهما كان مأتـاه سـواء جهـة رسـمية أو شـعبية وأنـه مـن غيـر المعقـول معاقبـة جريمـة القتل بعملية قتل أخرى حتى الجوهر الديني يأبـى ذلـك بالنسـبة إليـه وهو معنـى عنـوان فيلمه «لا تقتـل» كإحـدى الوصايا الإيمانية العشـرة، ومن غيـر المقبول بالنسـبة إليـه أن تقوم الدولـة بجريمة كهذه وهـي التي من المفروض أن تنظـم حياة الأفراد وتحافظ على أمنهم وحقوقهم وحياتهم، لا أن تهدرها وتنفـذ فيهم حكم الإعدام الشـبيه ببرود الموت الذين هم بصدده.. كما أن عملية القتل الأولى لسـائق التاكسـي التي تواصلـت علـى امتـداد سـبعة دقائق ضد شـخص لا نعرفـه ولا يعرفـه القاتل بتفاصيلها لهـا دلالات جمة لعـل أهمها مدى ثقل الموت على النفوس وكابوسـيته ومـدى بربريتـه بحيـث أن رفضنا له فـي الإطار غير القانونـي (الإجرامـي) لا يبـرر قبولنا له فـي الإطار الشـرعي والقانونـي حتـى وأن كان كعقـاب علـى جريمـة قتـل أخـرى لأن البربريـة والهمجيـة اللتان تسـمان القتل لا تتجزآن ولا يمكن رفضهما في سياق وقبولهما في سياق آخر.. هـذا وتـرى الكاتبـة السـينمائية البولنديـة أنات انسـدورف Insdorff Annette أن السـؤال الذي يطرح نفسـه في هذا السياق هو: ما مدى تحمل الجمهور لمشـاهد عنف سـينمائية قريبة جـدا للنمط التسـجيلي الواقعي (بعيدا عن الإثارة الهوليوودية ومغرياتهـا)؟ وهو ما يؤدي لتسـاؤل إشـكالي أكبر: مـاذا يمكـن لكائـن بشـري متحضـر تحملـه عنـد مشـاهدة الدولـة وهـي بصـدد قتل أحـد مواطنيهـا (عملية إعدام ياتسيك). لقـد حـاول كيسلوفسـكي مـن خـلال سـينما «القلـق الذهنـي» lʼinquiétude morale التـي قدمهـا لنا فـي فلمـه « لا تقتل» وفـي باقـي أفـلام الوصايـا التـي عرضـت علـى التلفزيـون البولنـدي فـي الثمانينـات أن يواجـه الواقـع البولندي الذي شـبهه النقاد «بمزرعة الحيـوان» وقـد صـوره اخملـرج فـي هـذا الفيلـم بكاميـرا «مفلتـرة» باللون الأخضـر وبنوع من الأقنعـة الداكنة في أطـراف إطارهـا cadre ممـا أعطانـا صورا ومشـاهد قاتمـة لمدينة فرسـوفيا فـي الثمانينات وهـي تقنيـة فيلمغرافية تجريبيـة ذات أبعاد رمزيـة اختصت بها السـينما الأوروبية الشـرقية وقد وظفها اخملـرج لينقـد نتائج عشـريات ثقـال من حكم الحزب الشيوعي لبولندا في سيطرة مطلقة على حياة الأفـراد حيث حكم البلاد بالحديـد والنـار ولـم يعـرف البولنديون حينهـا حقوقا إلا تلـك التي أقرهـا له حزبه الوحيد.. وقـد كان اخملـرج كيسلوفسـكي مـن أول الأصـوات التي ناهضـت، فنيا، هـذه الحقبة فقـد قـدم عـام 1979 فـي فيلمـه «الهـاوي» lʼAmateur حكايـة مفادهـا أن موظفـا مثاليـا حصـل علـى كاميـرا سـينمائية فأخـذ يصـور الناس ليكتشـف حقيقة البـؤس الذي يغلـف حياتهـم بسـبب الشـيوعية، كمـا قـدم فيلمـا آخـر سـنة 1976 بعنـوان «الهـدوء» Le Calme حول العمل وأحوال الشغيلة إلا أنه منع لمدة أربع سنوات. في كلمة حمل فيلم « لا تقتل» للمخرج كيسلوفسكي كما باقي أفـلام الوصايـا التي أعدهـا بين سـنتي 1987-1989 قائمـة طويلـة مـن الأحـزان والآلام والخطايـا التـي تعكس نوعا من التشوش الأخلاقي تماما كما يعيشه مجتمعـه إلا أن رسـالته الحقيقية مـن كل ذلك هو أن نحب ونسـامح ولا نجازي من أخطأ معنا بمثل خطأه أو بمثل عنفه الذي مارسـه علينا، فالقتل لا يرد عليه بقتـل مضاد خاصة إذا جاء من الدولة وإلا تحول إلى انتقام وفعل بربري آخر.. الفن والفلسـفة والسياسـة كانوا حاضرين دائما ليـس فـي فيلمـه قيـد القـراءة «لا تقتـل» وإنمـا فـي مختلـف أفلامه التـي أنجزها بين فرسـوفيا وباريس حيـث أسـئلة المصيـر والصدفـة والعبـث كانـت حاضرة دائما بين طيـات أفلامه ولم يتخل عنها أبدا، والشخصية المفضلة لدى كامي Camus كانت هي ذاتها شـخصيته (ياتسـيك) في فيلمه «لا تقتل» لكن في طقس آخر مختلف إلى حد النقيض. ٭صحافي وكاتب من تونس tunisiendecarthage@yahoo.fr ■ 

قناة الحوار التونسي الفضائية: تحت المقصلة



تقرير أنجزه سفيان الشورابي لموقع منصات

 
لا يكاد يمر أسبوع واحد دون أن تردنا أخبار أن أحد أعضاء الفريق العامل في قناة "الحوار التونسي" الفضائية تعرّض لاعتداء على يد رجال أمن بزي مدني، وكانت أحدث تلك الانتهاكات قيام رجال الاستخبارات يوم السبت 7 شباط \فبراير الجاري باختطاف سكرتير تحرير القناة الصحفي أيمن الرزقي والصحفيين بدر السلام الطرابلسي وأمينة جبلون.
 
سفيان الشورابي
 
 
تم اختطاف الصحفيين الثلاثة فور خروجهم من مقر صحيفة "الطريق الجديد" المعارضة قبل أن يتم إطلاق سراحهم عشية نفس ذلك اليوم بعد أن تم تهديدهم بالسجن جراء نشاطاتهم الإعلامية. "محاصرة، مراقبة، منع من التصوير، ايقاف، الخ" تلك هي أهم المفردات التي تطغى على البيانات الصادرة عن القناة المذكورة، فلماذا كل هذا التعدي على قناة هدفها الرئيسي تقديم إعلام بديل وموضوعي في بلد يكاد يتفق الجميع على عدم إيمان قادته وأجهزته بمبدأ الإعلام الحر والمستقل؟

في شقة بإحدى العمارات بقلب العاصمة تونس حيث يتواجد مقر القناة، تستعد قارئة الأخبار الصحفية أمينة جبلون لتصوير حصة الأخبار اليومية التي عادة ما تتضمن أنباء عن تحركات أحزاب المعارضة الديمقراطية وعن نشاطات مكونات المجتمع المدني المستقل ناهيك عن الخروقات التي تقوم بها السلطة الحكومية تجاه معارضيها أو حتى ضد مواطنيها العاديين.

في غرفة الأخبار التي لا تتجاوز مساحتها الـ10 أمتار مربعة -وهي في حقيقة الأمر الأستوديو الوحيد الذي يصلح للتصوير في ذلك المكان- ذكرت جبلون لـ"منصات" أن قناة "الحوار التونسي" الفضائية وضعت على رأس أولوياتها عرض الأحداث التي تقع في تونس والتي يغض النظام الحاكم عنها الطرف، وقالت:" إن ما نبثه يوميا هي الأنشطة التي تقوم بها الهيئات المغضوب عليها من قبل السلطة، كما نتعامل مع المعارضين الحقيقيين التي تأبى وسائل الإعلام المحلية الاستماع إليهم".

طبعا لم يكن لمثل هذا العمل الإعلامي ليحظى برضا الأجهزة الأمنية التي لم تر بعين الرضا ما يقوم به صحافيو القناة، حيث ذكرت جبلون أن الشرطة دائما ما تمنعهم من ولوج مقرات أحزاب المعارضة وتلاحق تحركاتهم بشكل مستمر لصدهم عن الوصول إلى المعلومة، وأشارت في هذا الصدد أنها تعرضت من جانبها إلى أكثر من عملية اختطاف وحجز في مخافر الشرطة، بل أن الأمر وصل إلى حد الضغط على عائلتها لثنيها عن مواصلة العمل في قناة "الحوار التونسي".

في القاعة المجاورة لأستوديو التصوير، يمكث سكرتير تحرير القناة الصحفي أيمن الرزقي أمام أحد أجهزة الحاسوب وهو يتصفح المواقع الالكترونية لمتابعة آخر التطورات التي تعرفها الساحة السياسية في تونس. وبنوع من اللامبالاة أو كمن اعتاد على مثل هذه الأسئلة أجابنا الرزقي أن "التحرشات الأمنية والمراقبة اللصيقة أضحت خبزنا اليومي"، فـ"منذ انطلاق بث القناة سنة 2002 ونحن نعيش  هذه الحالة". وأرجع ذلك إلى النهج المستقل للقناة والذي سطر معالمه الأساسية مؤسسها رجل الأعمال التونسي المقيم بفرنسا الطاهر بن حسين.

من باريس الى تونس
وقال الرزقي أنه منذ تأسيسها، عوّل بن حسين على مجموعة من طلبة وخريجي معهد الصحافة لتكوين النواة الأولى للقناة. ورغم عدم امتلاكهم للخبرة الكافية، فقد تمكنت المجموعة الفتية من ضمان استمرارية القناة التي انتقل مقرها المركزي من العاصمة الفرنسية باريس إلى العاصمة تونس سنة 2004.

وأضاف الرزقي أنه لما كان المقر الرئيسي للقناة في فرنسا، اقتصرت البرمجة على إجراء حوارات مع الفاعلين في الحقل السياسي والاجتماعي وتقديم مادة إخبارية متواضعة نتيجة لعدم توفر مقاطع فيديو ترافق الأخبار. بعد انتقال مركز عملها إلى تونس ومع ما صاحبها من تجديد لشبكة المراسلين، تمكنت القناة من تأمين مادة إعلامية محترمة وإجراء عدد من الريبورتاجات والتحقيقات الميدانية التي "تبرز الفرق الشاسع بين خطاب السلطة وإعلامها الرسمي وبين ما يجري على أرض الواقع" على حد تعبير الرزقي.

وأضاف سكرتير التحرير: "وما نجاحنا في تغطيتنا الدقيقة لستة أشهر من التحركات والمسيرات الاجتماعية التي شهدتها منطقة قفصة (350 كم جنوب العاصمة تونس) إلا أحد أبرز الأدلة على نجاحنا في كسر الطوق الإعلامي الرسمي".

إلا أن ما يتحفظ عليه البعض هو السقف العالي الذي لا نجده في بقية وسائل الإعلام المحلية لخطاب قناة "الحوار التونسي" وجرأتها غير المعهودة في تناول القضايا المحرجة، وهو ما اعتبره أيمن الرزقي "كلام مردود على أصحابه" حيث اعتبر أن "قناة الحوار التونسي ليست من هواة التهويل والمبالغة وإنما تتعامل مع الأحداث بكل واقعية مهما كانت طبيعتها، ولكن التزييف المتواصل للحقائق من طرف السلطة يجعل المتفرج في حيرة من أمره خصوصا وإننا نبث خطابا واقعيا ينقل الأحداث كما هي ويرفض التعامل مع الفاعلين السياسيين بمنطق الإقصاء والتمييز".

قناة يسارية؟
المعلوم أن قناة "الحوار التونسي" تبث على القمر الصناعي "هوت بيرد" بمعدل ساعة يوميا على ترددات من قبل الباقة الإعلامية الايطالية "أركو أيريس تي في" التي تؤجر حصص بث فضائية لحركات سياسية يسارية من أوروبا وأمريكا اللاتينية مقابل أسعار مشجعة ومخفضة. ولعل تصنيف قناة "الحوار التونسي" في هذه الخانة جعلها مستهدفة من قبل الحكومة التونسية، إلا أن الصحفي بالقناة بدر السلام الطرابلسي نفى ذلك وقال أن "القناة تعمل باستقلالية عن السلطة وعن جميع التيارات المعارضة" وإنما ذنبها الوحيد أنها تجاوزت الخطوط الحمر الكثيرة التي رسمها النظام منذ سنوات عديدة، لكنه اقر بوجود مسحة علمانية وتقدمية وديمقراطية على الخط التحريري للقناة وهو لا يعد حسب تقديره "عيبا أو مخالفا للقانون".

سجن صحفي من القناة
حجم العراقيل التي يتعرض لها صحافيو القناة لا تتوقف عند حد التحرش، بل تتجاوزها لسلب الحرية لمن أقدم على العمل في صلبها، وهو ما تعرض له الفاهم بكدوس خلال الأشهر الماضية، حيث ثبّتت محكمة الدرجة الثانية الأسبوع الماضي حكما بسجن بوكدوس المتواجد في حالة فرار حاليا، مدة ست سنوات كاملة على خلفية تواجده بمنطقة قفصة وقيامه بتصوير التحركات الاجتماعية السلمية التي خاضها أهالي الحوض المنجمي طوال النصف الأول من السنة المنقضية للاحتجاج على تردي وضعيتهم المعيشية.

وكانت منظمة "مراسلون بلا حدود" قد أصدرت في وقت سابق بيانا اعتبرت فيه أن" هذا الحكم القاسي يعد مثالا آخر للقرارات الاعتباطية تجاه كل من يقلق السلطة. ففي تونس، تعد مهنة الصحافة أكثر المهن خطورة".

المقصلة في أية لحظة؟
ورغم هذا المناخ الصعب، تواصل قناة "الحوار التونسي" تميزها في المشهد الإعلامي التونسي وتواصل مشوارها مليئاً بالمخاطر والتحدي والمثابرة بغاية تقديم إعلام بديل، إلا أن أهم ما يثير قلق أعضاء الفريق الإعلامي بالقناة هو أن رقبة قناتهم ما تزال تحت المقصلة وعرضة للقطع في أية لحظة، فلا يستبعدون أن تقوم الأجهزة الإعلامية بمداهمة مقر عملهم وإلقاء القبض عليهم وإغلاقه نهائيا كما فعلت مع إذاعة "كلمة" الالكترونية في الأسابيع القليلة الماضية. فصدر السلطة تجاه الأصوات المعارضة ضيق وضيق للغاية.